المسؤولية الاجتماعية للشركات.. وجهة نظر مغايرة

ليس هناك شيء أجمع الناس عليه، وفي النظريات والتوجهات العلمية يكثر دائمًا الخلاف والجدل، و المسؤولية الاجتماعية للشركات واحدة من هذه الاتجاهات أو تلك النظريات التي حظيت بجدال كبير بين المختصين في الاقتصاد بشكل عام.

لكن يتوجب علينا ها هنا الإشارة إلى أن الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية للشركات أو رفضها هو فرع عن تصور اقتصادي معين؛ فالذين يرون أن أداء الشركة واجباتها نحو المجتمع لن يعود عليها سوى بالخسارة هم أنصار مبدأ السوق الحر.

أما الآخرون الذين يرون أن أداء الشركة/ المؤسسة لواجبها تجاه المجتمع هو طوق نجاتها الوحيد، فهؤلاء يؤمنون بحتمية تحجيم رأس المال، وعدم منحه الفرصة للسيطرة على كل مقدرات الدولة والمجتمع معًا.

حجج وحجج مضادة:

يرى الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان؛ صاحب كتاب “الرأسمالية والحرية”، أنه من المتعين على رجال الأعمال أن يعملوا، ويديروا شركاتهم على هديّ قواعد ونظريات ومبادئ الاقتصاد الحر، ولا يكون لهم هدف سوى تعظيم الربح، ومراكمة الثروات، وألا ينفقوا أموال حملاتهم الدعائية على ما يُسمى بالمسؤولية الاجتماعية، هذه التي لن تعود عليهم بأدنى طائل.

وعلى هَديّ “فريدمان”؛ ذكر الباحث الاقتصادي لي ياكوكا؛ أن التعليمات التي صدرت ف الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1960: 1970، بخصوص حماية مستخدمي السيارات والبيئة أسهمت، وإن بشكل جزئي، في تدني معدلات مبيعات السيارات في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.

ويرى بعض أنصار هذا المذهب المعادي لـ المسؤولية الاجتماعية للشركات، أنه من الواجب على الشركات أن تعمل من أجل مصالحها الخاصة فحسب، وإلا فلماذا لا نطالب بالمسؤولية الاجتماعية للحكومات، للمستشفيات وغيرها من المؤسسات والهيئات الأخرى؟.

لكن وعلى الرغم من هذه الحجج، فإن هناك عوامل ضغط أخذت في الظهور، وبدأت تؤكد أهمية موضوع المسؤولية الاجتماعية؛ فالعاملون داخل هذه الشركات المختلفة لهم حقوق يجب على الشركة أداؤها إن هي أرادت معدلات إنتاجية مرتفعة، وأثبتت “تجارب هاوثورن” صدق هذه النظرية.

وبعيدًا عن وجهتي النظر الحديتين هاتين اللتين أشرنا إليهما أعلاه، ذهب الخبير الإداري الشهير بيتر دركر؛ إلى أنه يمكن النظر إلى موضوع المسؤولية الاجتماعية من زاويتين:

الأولى: المشكلات التي تحدثها، وتتسبب فيها الشركات ذات نفسها، مثل تلويث الهواء وما إلى ذلك، والثانية: تتمثل في المشكلات الموجودة في المجتمع ذاته، والتي لا دخل للشركات والمؤسسات الصناعية بها.

هل من حل وسط؟

إذا ابتغينا الظفر بحل وسط، والإتيان بطريقة نوفق بها بين وجهتي النظر المتعارضتين هاتين، فإننا من الممكن القول، واستنادًا إلى أطروحة “دركر”: إنه يتعين على الشركات أن تعمل على معالجة المشكلات المجتمعية التي تحدث بسببها، وأن يكون ذلك مفروضًا عليها فرضًا من قِبل الحكومات المختلفة.

وذلك في حين تقوم الحكومات والسلطات المختلفة بإصلاح ومعالجة الأعطاب الموجودة في هذا المجتمع أو ذاك، مع منح الحرية للشركات للمساهمة في حل هذه المشكلات من عدمها.

خلاصة أساسية:

وبعد هذا الجدل الذي عرضنا طرفًا منه في هذا المقال، فثمة درس خفي يتعين علينا الالتفات إليه، وهو ذاك المتمثل في حتمية المرونة بعالم المال والأعمال، فليست هناك نظرية ولا اتجاه اقتصادي حظي بإجماع عام.

ومن هنا، فإنه من المهم جدًا أن نكون مرنين ونحن نضع قواعدنا وخططنا الإدارية المختلفة، وألا نتحجر أو نتحيز لصالح نظرية على حساب أخرى، بل نحاول، دائمًا، الإتيان بالحلول الوسط، التي تُمكن الجميع من تحقيق أكبر قدر من المكاسب.

اقرأ أيضًا:

المسؤولية الاجتماعية.. ضمانة بقاء المؤسسات

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

أخطاء شائعة في المسؤولية الاجتماعية

4 أخطاء شائعة في المسؤولية الاجتماعية للشركات

يشهد العالم نقطة تحول في الاقتصاد، بعد الأزمة التي واجهته منذ جائحة فيروس كورونا المستجد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.