المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة

المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة.. من يقوم بالتغيير حقًا؟

«التغيير يبدأ بي، فماذا أفعل؟»

يتناغم الحديث عن المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة مع تلك الوفرة التي تعج بها الأدبيات المحدثة حول النزعة الفردية، وحول «مجتمع الأفراد» كما يسميه عالم الاجتماع الراحل نوربرت إلياس، فالفرادنية، بدءًا من تحليلات لويس دومون إلى جيل ليبوفتسكي، هي السمة الأبرز لعصر ما بعد الحداثة أو الحداثة الفائقة الذي نحيا في كنفه.

لكننا سنقلب المحاجة هنا رأسًا على عقب، وسنسبح ضد تيار التحليل السوسيولوجي الراهن؛ فلن نرى في النزوع الفردي بمثابة هروب من كل ما هو جماعي، ولا غرق في ليل النرجسية (كما يحلل جيل ليبوفتسكي في كتابه «عصر الفراغ») وإنما سننظر إليها باعتبارها اللبنة الأولى في سبيل إعادة هيكلة الحياة الاجتماعية ككل.

سنحاول، إذًا، اعتبار الفرد كنسق، كذات حرة قادرة على التغيير، فكل تغيير لا يبدأ بي/ بك لن يمكنه أن يحدث حقًا، ذاك هو مقصدنا من الحديث عن المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة.

اقرأ أيضًا: رواد الأعمال والعمل الخيري.. فن تغيير العالم

في المسؤولية الفردية ومعناها

إن الحديث عن المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة يقودنا جزمًا إلى الإشارة للمسؤولية الاجتماعية الفردية أو الشخصية (كليهما مصطلحين مترادفين يحل أحدهما محل الآخر ويقوم مقامه) تلك التي هي بمثابة نموذج اجتماعي اقتصادي جديد، يعتمد على قرار استراتيجي من قِبل الفرد للالتزام تجاه المجتمع في إطار منظم.

تطال بنية وتأثير هذا النموذج الجديد قطاعات: التعليم، والرعاية الصحية، والنظافة والأعمال المحلية والبيئية، ومن المعروف طبعًا أنه يتم النظر إلى المسؤولية الاجتماعية الشخصية باعتبارها أحد مستتبعات نموذج ريادة الأعمال الاجتماعية بشكل عام.

وتُعرّف المسؤولية الاجتماعية الفردية أيضًا على النحو التالي: «إنها الالتزام المستمر بالتصرف بشكل أخلاقي، والمساهمة في تنمية الأفراد مع تحسين نوعية حياتهم، والمجموعات والفرق الأخرى وكذلك المجتمع ككل».

اقرأ أيضًا: كيف يستفيد الموظفون من المسؤولية الاجتماعية للشركات؟

المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة

مسؤولية التغيير

المؤسسات التي تنتهج نهج المسؤولية الاجتماعية لن يكون بإمكانها تغيير العالم ولا حتى تحسين أوضاعه، ما لم يكن هناك الأساس الراسخ لذلك، عنيت به الوعي الفردي بجدوى وأهمية العمل الاجتماعي. من يقوم بالتغيير إذًا؟ ليس المؤسسات بل الأفراد، واجتمعوا من جديد على هدف سام هو التغيير وصنع واقع بديل.

هنا تظهر المحاجة التي نسوقها هنا والتي نحاول، من خلالها، قلب التصور السوسيولوجي للفردانية رأسًا على عقب، فليس النزوع الفردي وسيلة للقضاء على المجتمع، وإنما سبيل لإعادة صنعه من جديد. سوى أن هذا لن يحدث هكذا من تلقاء نفسه، وإنما لا بد من توعية هؤلاء الأفراد، أولًا، ودفعهم إلى النظر إلى المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة واقعي.

يتعلق الأمر هنا بسحب ما هو جماعي على ما هو فردي، بمعنى أنك لو كنت تعمل موظفًا في مؤسسة تلتزم بالمسؤولية الاجتماعية، فإن الدور المنوط بك تجاه المؤسسة ذاتها والمجتمع ككل لا يتوقف عندما تغادر مكتبك في الخامسة مساءً وإنما يستمر طوال الوقت.

إن السلوك المنشود هنا _كي نعتبر المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة حقيقي_ هو إحداث حالة من وحدة المعايير، فلا يحدث انفصال بين ما تفعله كمسؤول أو كفرد.

ثم ثانيًا: إعادة جمع هؤلاء الأفراد من جديد مرة أخرى، وتوحيدهم صوب هدف واحد وكبير هو التغيير وصنع العالم البديل.

اقرأ أيضًا: المسؤولية الاجتماعية تجاه المصابات بسرطان الثدي.. الدور والأثر

مسؤولية تكاملية أو من الأدنى إلى الأعلى

لكن تناول المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة يعني أن نشدد على أن التغيير المنشود سيكون بمثابة عملية تكاملية لن يقوم به فرد بمفرده أو حتى مؤسسة، وإنما لا بد من إحداث حالة من التواشج أو التعاون بين هذين الطرفين، فمهما بلغت مثالية خطط المؤسسة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية فلن تبرح مكانها، ولن تعدو كونها حبرًا على ورق ما لم يكن هناك تعاون من قِبل الأفراد مع المؤسسة، وإيمان بهذا الفعل الاجتماعي المسؤول ذاته.

لكن ثمة مسألة أخرى، وهي محل جدل وخلاف كبيرين، كيف يبدأ التغيير؟ تقدم الأيديولوجيات المختلفة وجهات نظر وتصورات مختلفة للإجابة عن السؤال.

لكن الأكثر جدوى وفعالية هو أن يبدأ التغيير من الأدنى؛ فمن خلال هذا سنتمكن حقًا من النظر إلى المسؤولية الاجتماعية كأسلوب حياة، كما أن التغيير المفروض فرضًا من الأعلى لن يكون مستدامًا، وسيقتصر الفعل فيه على البعد الروتيني فحسب.

اقرأ أيضًا:

المؤسسات غير الربحية.. تعريفها وأنواعها

جو رايلي.. إنسانية رائدة أعمال تدعم مريضات السرطان

المنافسة العادلة بين الشركات.. فلسفة الربح الجماعي

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

مبادئ المسؤولية الاجتماعية

مبادئ المسؤولية الاجتماعية لدى جوجل.. ممارسات مستدامة

إذا أردنا أن نعرف كيف تعزز جوجل مبادئ المسؤولية الاجتماعية؟ فلنلق نظرة، أولًا، على الشركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.