المسؤولية الاجتماعية المتبادلة

المسؤولية الاجتماعية المتبادلة.. وحدة الأهداف وتعدد المصالح

أدى بنا السير في طرق الرأسمالية، والإفراط في التمسك بمقتضيات السوق الحر إلى الكثير من النتائج والتحولات، العديد منها كان سلبيًا حتى النخاع، إلا أن هذه الآثار السلبية ذاتها ساقتنا في اتجاه غير متوقع وهو ما نحاول تسميته هنا المسؤولية الاجتماعية المتبادلة؛ إذ باتت القناعة الأساسية لدى الكثير من القطاعات في المجتمع، وفي عالم المال والأعمال أن الجميع مسؤول عن إخراج العالم من تلك الهوة التي سقط فيها.

إن هدف وجود أي شركة هو إلغاء ألم ما أو حل مشكلة من المشكلات، وتعظيم الربح، من خلال معالجة هذا الألم وحل تلك المشكلة، لكن هذا وحده ليس كافيًا لتؤدي دورًا إيجابيًا في المجتمع الذي تعمل فيه، وإنما على الجمهور أن يساعدها في أداء دورها المنوط بها أو الذي آلته على نفسها، ومن هنا جاء حديثنا عن المسؤولية الاجتماعية المتبادلة أي بين الشركات والجمهور.

اقرأ أيضًا: القيمة الاجتماعية للشركات.. معيار النجاح في الألفية الجديدة

جمهور موجه اجتماعيًا

واحد من أبرز التحولات اللافتة هي تلك التي يمكن ملاحظتها على جمهور الألفية الثالثة؛ إذ إن هذا الجمهور الخارج من ورطة الرأسمالية الموحشة وتغول السوق الحر، آمن بأن هذه النظريات والتوجهات الاقتصادية لم تجر على المجتمع سوى الخيبة والدمار.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن شركة العلاقات العامة Edelman قالت، في بحث أجرته مؤخرًا، إن 70% من المستهلكين على استعداد لدفع المزيد لشركة تدعم قضايا اجتماعية جديرة بالاهتمام. وإن أكثر من النصف سيساعدون حتى في الترويج لهذه العلامات التجارية. على الرغم من ذلك، يقول 39% فقط من المستهلكين إنهم يعرفون علامات تجارية تدعم القضايا الجيدة.

اقرأ أيضًا: المسؤولية الاجتماعية وتحسين نوعية الحياة

الغرض الاجتماعي كضرورة تسويقية

هذا التحول الجديد والطارئ على الجمهور الحديث أحد أبرز النتائج الإيجابية لكل المآسي التي سببتها النظم والنظريات الاقتصادية السابقة هذا من جهة، وهو التحول ذاته الذي يؤكد ما نعنيه بفكرة المسؤولية الاجتماعية المتبادلة، فالشركة لا تنهض بالعبء بمفردها، وإنما يساعدها الجمهور فيه كذلك، من جهة أخرى.

وأيضًا، هو ذاك التحول الذي يتوجب على الشركات استغلاله الاستغلال الأمثل، فطالما أن لديك جمهورًا مؤمنًا بالدور الاجتماعي فلمَ لا تلعب شركتك هذا الدور؟! ولماذا لا تستخدم هذه القضية الاجتماعية للتسويق لذاتها وتعظيم أرباحها (التسويق بالقضايا)؟!

ولعل هذا هو المعنى الذي قصده ميتش ماركسون؛ رئيس شركة Edelman’s Global Consumer Brands Practice، حين قال:

“تخبرنا نتائج دراستنا أن الغرض الاجتماعي كضرورة تسويقية له جاذبية على المستهلك العالمي، ويمكن أن يساعد العلامات التجارية في بناء علاقات أعمق”.

ربما المعنى الجلي هنا هو أن ثمة تبادل في المصالح ووحدة في الأهداف، وهذه هي المسؤولية الاجتماعية المتبادلة التي نتحدث عنها الآن؛ فالجمهور يسعى إلى الحصول على مكاسب من خلال هذه الشركة التي تلعب دورًا اجتماعيًا إيجابيًا، ومن ثم يقرر دعمها عبر الشراء منها واستهلاك منتجاتها، وهو الأمر الذي يصب، من ناحية أخرى، في صالح هذه الشركة ويعظّم أرباح القائمين عليها والمساهمين فيها.

اقرأ أيضًا: ممارسة المسؤولية الاجتماعية للشركات.. 3 مبادئ أساسية

المسؤولية الاجتماعية المتبادلة

الاستثمار في القضايا الاجتماعية

ربما تكون هذه الشركة أو تلك قررت خوض غمار تجربة المسؤولية الاجتماعية؛ إيمانًا منها بجدواها، وأملًا في الظفر بالمكاسب التي يمكن جنيها وتحقيقها من ورائها، لكن قد تكون النتائج محبطة، فلا المجتمع استفاد ولا الشركة عظّمت أرباحها وعززت من سمعتها في السوق.

السبب في ذلك هو عدم اختيار القضية الاجتماعية المناسبة لجمهورك الذي تستهدف العمل معه، وجذبه إليك، وعلى ذلك فإن القضية الجاذبة هي أول خطوة على طريق النجاح في مشروع الاستثمار الاجتماعي الطويل.

وليكن منك على بال، أن القضية _التي يتم العمل عليها والتسويق للشركة من خلالها_ لا تهم الشركة وحدها، بل إنها تهم الجمهور أكثر من الشركة، وعلى هذه الأخيرة أن تتكيف مع احتياجات ورغبات هذا الجمهور وليس العكس.

اقرأ أيضًا: اتجاهات المسؤولية الاجتماعية في 2020.. استمرار أم تطور؟

ما وراء الربح

حين تقرر هذه الشركة أو تلك الإسهام في إصلاح المجتمع وتنميته والدفع به قُدمًا، فالمؤكد أنه من الواجب عليها أن تتحلى بسعة أفق، وإدراك أعمق للأمور، أي أن ترى أبعد من الراهن، وألا تحصر نفسها في زاوية الحصول على الربح.

فالربح يمكن الحصول عليه، لكن المهم أن نحصل عليه بالطريقة الصحيحة التي تُمكّن الشركة من ضمان استدامة الحصول عليه، ومن هنا فإن الذهاب أو بالأحرى التفكير فيما وراء الربح هو السبيل الوحيد للحصول على الربح المستدام.

وعلى أي حال، فإن أذا أردت أن تحصل على مزايا المسؤولية الاجتماعية المتبادلة أو أن تفعل هذه النظرية الاجتماعية/ الاقتصادية فمن الواجب عليك أن تدرك أن الأمر مرهون بالأخلاق أكثر منه بالربح أو بأي شيء آخر، ومن ثم فمن الواجب على الشركة أن تكون صادقة وأمينة مع جمهورها؛ فالتغرير بالجمهور أو خداعه ستكون آثاره وخيمة.

وفي النهاية لن يقتنع الجميع بالقضية الاجتماعية التي تسوق لها، أو التي كرست لها شركتك، هذا أمر طبيعي إن لم يكن بديهيًا، كل ما عليك فعله أن تتفهم الأمر، وأن تواصل طريقك.

اقرأ أيضًا:

استثمار القيمة الاجتماعية.. إشراك الجميع في المهمة

جائحة “كورونا” تدفع “التأمين الصحي” إلى تفعيل خدمات التطبيب عن بعد

استراتيجية العمل الخيري والإسهام في الرفاه الاجتماعي

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

تحديات المسؤولية البيئية للشركات

تحديات المسؤولية البيئية للشركات

ليس سهلًا حصر تحديات المسؤولية البيئية للشركات وإنما من المهم الإشارة إلى بعضها، كما سنفعل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.