التسويق العصبي

“العمري”: التسويق العصبي يعطي نظرة ثاقبة حول دوافع العملاء وتفضيلاتهم

لا يكف التسويق، علمًا وممارسة، عن التطور، وارتياد مناطق وآفاق جديدة، مستعينًا في ذلك بعطاءات العلوم المختلفة، ولعل التسويق العصبي أحد أبرز هذه النقلات النوعية في هذا المجال؛ فلم يكتف المسوقون بمعرفة احتياجات العملاء ورغباتهم بالطرق التقليدية والمألوفة، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وتساءلوا: هل يريد العملاء ما يعبّرون عنه بالفعل؟ وهل يعبّرون عما يريدون الحصول عليه؟

من هنا تأتي أهمية الدراسات النفسعصبية (النفسية/العصبية) لتطلعنا على كوامن اللاشعور، وخفايا اللاوعي، ولم يصبح المسوقون محللون نفسيون، بطبيعة الحال، وإنما هم ينهلون من هذه العلوم ما يمكّنهم من أداء دورهم على النحو الأمثل.

وفي هذا السياق، أوضح أسامة العمري؛ خبير التسويق وتطوير الأعمال، المدير التنفيذي لشركة “جليمر للتسويق والتدريب” بكندا، في حديثه الحصري لـ «رواد الأعمال»، أن المقصود بـ التسويق العصبى أو ما يسمى Neuromarketing هو قياس الإشارات الفسيولوجية والعصبية؛ للحصول على نظرة ثاقبة حول دوافع العملاء، وتفضيلاتهم، وقراراتهم، والتي يمكن أن تساعد في تزويد المهتمين بالمعلومات الضرورية لصناعة إعلانات تجارية إبداعية، وتطوير المنتجات، والتسعيرات، ومجالات التسويق الأخرى.

وأضاف أنه من أبرز أنماط القياس التي تستخدم في التسويق العصبي هو مسح الدماغ؛ الذي يقيس النشاط العصبي، وكذلك التتبع الفسيولوجي؛ الذي يقيس حركة العين وغيرها من العوامل البديلة، موضحًا أن الأمر يبدأ بمعادلة الحاجة لدى المستهلك، فعندما تسأل المستهلك عن احتياجاته سيرد عليك بمئات الإجابات، لكن ما مدى مصداقيتها لما يحتاجه بالفعل؟ هذا هو العامل المحوري في العملية برمتها.

اقرأ أيضًا: اصطياد العملاء أو التسويق كمهمة شاقة

قراءة عقل العميل

وقال «العمري» إن مخاطبة غرائز المستهلك، ودغدغة احتياجاته، لطالما كانت وسيلة معروفة لدى المُسوقين، إلا أنها تمثّل تكتيكًا قديمًا في كشف رغبات شرائح المستهلكين، وتمرير رسائل إعلانية إلى وعيهم الباطن، لافتًا إلى أن هذه الأساليب التسويقية تشترك في كونها محاولات جادة للوصول إلى عقل العميل عبر قراءة المؤثرات الخارجية التي تحكم القرارات الصادرة عن عقله بتشخيص سلوكه.

وذكر أن العلماء اكتشفوا أن الجمهور يعبّر عن رغباته، لكن هذه الرغبات لا تعبر بالضرورة عن احتياجاته الحقيقة؛ لأنها تكون مستترة في اللاوعي، ومن ثم جاء علم النفس العصبي؛ ليدرس عقل المستهلك وانفعالاته، وليحدد ما الذي يحتاجه بالفعل، ولا يعبر عنه، وما الذى يعبّر عنه ولا يحتاجه.

ولفت إلى أن المستهلك، في الأغلب، غير مستعد لتقديم معلومات عن ذكرياته ومشاعره وتفضيلاته؛ فلدى الناس ذكريات خاطئة؛ يكذبون عندما يحاولون إرضاء غيرهم، أو حين يشعرون بالحرج، تصوراتهم يمكن أن تتأثر بكيف يُطرح السؤال (عليهم). ولعل ذلك يؤكد أن ما يخرج من أفواهنا ليس دائمًا ترجمةً مثاليًةً لما يحدث في أدمغتنا.

اقرأ أيضًا: غزو الأسواق.. هل تعرف الطريق؟

إدراك العلامات التجارية

واستطرد «العمري»: ومن أمثلة ذلك ما فعله باحثون في جامعة إيموري عام 2004؛ حيث قدموا مشروبي الكوكاكولا والبيبسي، مع عدم وضع علامة تجارية عليهما لمجموعة من المتطوعين، ولاحظ الباحثون استجابة عصبية متسقة، ولكن عندما تمكن المتطوعون من رؤية العلامة التجارية على المشروب، أظهر جهازهم العصبي نشاطًا أعلى، ما يدل على أن معرفة العلامة التجارية غيّرت كيفية إدراك الدماغ للمشروب الغازي.

وأشار إلى أنه في دراسة أكاديمية أخرى كشف مسح الرنين المغناطيسي الوظيفي عن أنه عندما يرى المستهلكون سعرًا فقد يتغيّر حسابهم العقلي للقيمة: عندما يُعرض السعر قبل أن يّعرض المنتج للشخص، تختلف البيانات العصبية عما لو عُرض السعر بعد عرض المنتج، ما يشير إلى نوعين مختلفين من الحسابات العقلية: هل هذا المنتج يستحق الثمن؟ هل يعجبني هذا المنتج أم لا؟

ووجد الباحثون، وفقًا لخبير التسويق وتطوير الأعمال، في دراسة أجريت عام 2015، أن تعريض المدخنين لرائحة السجائر الممزوجة بالبيض الفاسد خلال “المرحلة الثانية من النوم” (عندما يستعد الجسم للنوم العميق) أدى إلى انخفاض معدل التدخين لعدة أيام، ما جعل العديد من الشركات تعمل على توظيف تلك البيانات؛ لزيادة الأفضلية لبعض المنتجات أو الترويج لسلوكيات بعينها.

اقرأ أيضًا: العرض النهائي.. قل كل شيء في دقيقة واحدة

تكنيك ZMET

وأوضح أن أحد التطبيقات التجارية في مجال التسويق العصبي التي باتت معتمدة بالفعل من قِبل عدد من الشركات الأمريكية والكندية تعرف باسم ZMET، ومن بين أهم المسلمات التي أثبتتها هذه الوسيلة هي كون المتسوق يبحث، دائمًا، عن السلعة التي تضمن له شعورًا بالانتقال إلى شخصية مختلفة عن ذاته، أو إلى حال أفضل، حتى وإن لم يحصل هذا الانتقال إلا في مخيلته هو، لكن هذا الدافع يظل محكومًا بمؤثرات عقلية أخرى.

وقال «العمري» إن التسويق العصبى يمكن أن يُستخدم في غايات مختلفة؛ فعقلية الجمهور تميل إلى البساطة والتكرار؛ لترتبط بالرسالة المطلوبة؛ لذلك هناك بعض الآراء المؤيدة والمعارضة حول مدى أخلاقية توظيف هذا النمط من التسويق.

اقرأ أيضًا:

أحمد بن سهيل عجينة: المسوقون تعرضوا لأكثر من تحدٍ خلال الأزمة

عصام الدميني: الأزمات قد تكون فرصة لبداية جديدة إذا استُغلت بطريقة صحيحة

محمد العوض: استراتيجيات التسويق في وقت الأزمات تختلف من علامة تجارية لأخرى

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

تسويق منتجات العناية الصحية

التسويق الأمثل لمنتجات العناية الصحية قبل البيع

انتشرت مؤخرًا عمليات تسويق وبيع منتجات العناية الصحية عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ ما دفعني إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.