ريادة الأعمال

الصناعة الرقمية وريادة الأعمال

أصبحت التقنيات الرقمنة نهج حياة صناعات الدول الصناعية الكبرى السبع، بفضل تقدم أنظمة المعلومات والاتصالات، علوم القياس، المواد الذكية والنانومترية، علوم الحياة كالهندسة الحيوية وهندسة الدقة؛ لذلك صار تعميق مفهوم ريادة الأعمال بين المؤسسات وأفراد المجتمع ضرورة ملحة الآن.

والصناعة الرقمية هي تصنيع وإنتاج منتجات قائمة على الأتمتة (الأنظمة الآلية) وفقًا للابتكارات الجديدة التي يدرسها رواد الأعمال.

نجاح الاقتصاد العالمي هو التبادل الدولي للمنتجات القيّمة من السلع والخدمات، ومن ثم فإن نمو الاقتصاد وازدهاره يعتمدان على تقدم الصناعة في جميع أنحاء العالم. ونظرًا لأن طبيعة الحياة غير ثابتة، فدوام الحال من المحال تسليمًا وتصديقًا بقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، فإن المناطق الجغرافية التي ينمو فيها الاقتصاد حول العالم تتغير كل فترة من الزمن.

خاصية البث المباشر عبر الفيديو ودعم اقتصاد المبدعين

قد يشير ذلك إلى نوعية الاستراتيجيات التي اتخذتها الدول، فمنها الواضح والمُعلن والبعض الآخر غير مُعلن وخفي. فعلى الرغم من أن مفهوم الاقتصاد قد نشأ مع خلق الله للبشر؛ إذ خلال حقبة الحضارات القديمة كالمصرية (الفرعونية) واليمنية والعراقية (السومرية) والهندية والصينية واليونانية (الإغريقية) والرومانية والفارسية، مرورًا بالاقتصاد القائم على دول الخلافة الإسلامية الرشيدة بالمنطقة العربية، والأموية، والعباسية، والعثمانية والسلاجفة، مر الاقتصاد بمراحل صعود وهبوط. ولكن من الموثق أن الإقتصاد الإسلامي الرشيد قد حقق نجاحًا كبيرًا خلال حقبة اقتربت من الخمس مائة سنة الأولى بعد هجرة رسول الكريم محمد (ﷺ).

ريادة الأعمال

وحديثًا انتقل مقر الاقتصاد إلى مجموعة دول أوروبا الغربية، ومن ثم إلى أمريكا في أوائل الخمسينات والستينيات من القرن الماضي. وهنا كانت بداية ظهور مصطلح “ريادة الأعمال” مع الحاجة إلى مشاريع مؤسسية للأنشطة الصناعية التجارية. وساهمت البيانات وتحليلها في استمرارية تقدم التقنيات في مشاريع عديدة.

وتأثرت حركة ريادة الأعمال في أيامها الأولى بمجموعة من العلوم الإنسانية، مثل: الاقتصاد والتسويق وعلم الاجتماع وعلم النفس والإدارة الاستراتيجية والتاريخ، وساهم ذلك في ظهور العديد من النظريات وتفسير فكرة ومفهوم ريادة الأعمال؛ حيث انتشر مفهوم ريادة الأعمال على نطاق واسع في الثمانينيات والتسعينيات بمعظم الدول المتقدمة غربًا وشرقًا.

في تلك الفترة كان علم ريادة الأعمال معنيًا بالجمع بين الأرباح والأفكار المبتكرة في مختلف المجالات الصناعية التطبيقة والتجارية التي أمكن تنفيذها بنجاح. ومع تنوع مدارس الإدارة الحديثة وتأسيس مدارس التعليم الفني ومراكز التدريب المهني اكتسب مفهوم ريادة الأعمال مجموعة من المفاهيم المختلفة حققت الجدية في الإبداع والربح معًا لتشكل جزءًا مهمًا وأساسيًا من عناصر عملية الإنتاج، وقد أدى ذلك إلى استمرار المؤسسات المختلفة من خلال تنفيذ أنشطتها بالحصول على الدعم المناسب للمساهمة في تعزيز التنمية الاقتصادية للمجتمع. ثم انتشرت فيما بعد برامج حاضنات ريادة الأعمال، التي أعتبرت من أهم آليات التطور الاقتصادي والتقني للمساهمة بشكل فعال في تطوير الصناعات القائمة.

الثراء الثقافي وتعزيز الإبداع والابتكار في بيئة العمل

وساعدت تلك البرامج في تكوين مشاريع صغيرة أو متوسطة تم تزويدها بالمعلومات والدراسات الكافية لخطط العمل وجدوى المشروع وتسويق المنتجات، كما اختلفت الحاضنات حسب الهدف الذي أنشئت من أجله، فهناك حاضنات إقليمية ودولية أوتقنية وغيرها.

وأصبحت الحاضنات الآن واحدة من أحدث الوسائل وأهمها لصنع فرص عمل ريادية جديدة. وتعني الحاضنات في أبسط تعريفاتها أنها تحتضن وترعى المشاريع أو الشركات التي لديها أفكار ومكونات تمكنها من أن تكون كيانات ناجحة ومتميزة بعد أن توفر لها الحاضنة عددًا من الخدمات الداعمة، مثل استراتيجيات التمويل والإشراف والتسويق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النمو الاقتصادي المتسارع بدأ في الظهور خلال قرابة الثلاثين سنة الأخيرة في منطقة دول جنوب شرق آسيا (الصين، سنغافورة وماليزيا.. إلخ). كما أن هناك أيضًا نموًا اقتصاديًا تحقق في بعض الدول كالهند وروسيا، وبعض الدول العربية كالمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية. إلا أن الحاضنات الصينية التي تم تأسيسها وبدأ العمل فيها منذ عام 1989 بهدف تطوير الأعمال وتسريع عجلة الاستثمار قد مكنت الصين من التنافس حتى وصلت إلى أن تكون على رأس أكبر الدول الاقتصادية حول العالم الآن، كما يجب ألا ننسى دور الإدارة الرشيدة في مختلف مناحي الحياة.

ريادة الأعمال

الجدير بالذكر أن التوقعات المستقبلية تؤكد أن  الصين سوف تتخطى كلًا من أمريكا واليابان وألمانيا بحلول عام 2050 كما جاء بتقرير نشرته مؤسسة “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC) الصادر العام الماضي 2020. وهي واحدة من أكبر أربع مؤسسات تعمل في مجال الخدمات المتعددة الجنسيات ومقرها الرئيسي في لندن بالمملكة المتحدة.

ولهذا يمكننا القول إن النمو الاقتصادي قد تغير موقعه الجغرافي من شمال أسيا وإفريقيا قديمًا إلى المنطقة الأوروبية وأمريكا الشمالية ثم إلى جنوب شرق آسيا حديثًا، ربما بسبب أنظمة الإدارة وتعظيم دور ريادة الأعمال وحاضنات تسريع الاستثمار، وأيضًا لمدى تقبل الشعوب للحضارات والثقافات متعددة الجنسيات.

لذلك فالقادة والعلماء حول العالم مُطالبون الآن بـ “وقفة إمعان وترقب”؛ لأن القضية تحتاج إلى دراسة وتحليل دقيق من جوانب متعددة، لربما يشهد العالم إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي أو انتقال موقعة الجغرافي لمكان جديد، آملين تحقيق تعاون أكبر بين دول المنطقة العربية والعالم يؤدي إلى سلام اجتماعي حقيقي بين الشعوب وإحراز تقدم ملموس في حياة الناس. بعيدًا عن مناورات ودهاليز الدهاء السياسي والاستعماري البغيض.

تحفيز الإبداع في ريادة الأعمال.. خطوات للتميز

وعلى الجانب الوطني والعربي أدركت وزارة الاستثمار والتعاون الدولي في كل من مصر والسعودية خلال السنوات الأخيرة أهمية إنشاء حاضنات ريادة الأعمال، على غرار تجربة الصين، لتحويل أفكار الشباب إلى مشاريع إنتاجية؛ للحاجة الملحة لإجراء إصلاحات شاملة مع رؤيته 2030، فأطلقتا خططًا طموحة للتنمية المستدامة تقوم على العمل المشترك ضمن ثلاثة أبعاد أساسية: البعد الاقتصادي، البعد الاجتماعي، والبعد البيئي.

وكانت إحدى خطوات تنفيذ ذلك في مصر هو ترشيد نظام الإعانات المالية وتفكيكه بعناية متدرجة مع الشروع في إصلاحات ضريبية، كما حرصت مصر والسعودية على التخطيط لتحسين بيئة الاستثمار بفضل تعظيم استخدام الموارد البشرية الوطنية العظيمة المتاحة، وكذلك بفضل تقدم تقنية المعلومات والاتصالات وعلوم الحياة، وهذا يحدث الآن بكل وضوح ويلاحظة كل متابع. ليتبين أن الاهتمام بتنمية ريادة الأعمال في الوقت الحاضر أصبح مطلبًا أساسيًا للمشاركة في تنمية الاقتصاد الوطني والعربي كخطوة لتحقيق رؤية 2030.

وعليه نود أن نقدم للمجتمع والمؤسسات العربية بمختلف أهدافها مفهوم وكيفية قياس قدرة رائد الأعمال. فقد أكدت الدراسات أن رائد الأعمال المتميز ينقل فكرته إلى تأسيس شركة أو مشروع ناجح؛ لذلك فإن المفهوم الحديث لريادة الأعمال أصبح يعتمد على مدى الجاهزية لإدارة وتنظيم وتطوير المشاريع في ظل الفرص والتحديات والمتاح من تقنيات الرقمنة؛ من أجل تحقيق الطموحات بنجاح، ومن ثم خدمة المجتمع وتحقيق أرباح.

الذكاء الاصطناعي.. وسيلة لدعم البنوك بعد الجائحة

وتعتمد ريادة الأعمال على روح المبادرة مع فكرة إنشاء عمل أو خدمة أو نشاط جديد لتعظيم الاستفادة من نقاط القوة، مثل توافر العلماء والتقنيات المختلفة والموارد المتاحة والقدرات بجميع أنواعها، وفي ذات الوقت التغلب على نقاط الضعف والعمل بروح الفريق للمساهمة في النجاح وتحقيق الأرباح؛ لذلك نحن نؤمن بمبدأ: ريادة الأعمال تحفز النمو الاقتصادي مرورًا بالإنتاج المبني على الصناعة الرقمية. وعليه فإن نجاح رائد الأعمال يعتمد على الإنجاز الذي يحققه في إكمال أو تحقيق الأعمال التجارية أو الهندسية بطريقة مفيدة وغير نمطية؛ لأن النمطية لا تنتج إبداعًا.

ريادة الأعمال

ورائد الأعمال هو الذي يعبر بإيجاز دقيق عن ممارسة الأعمال التجارية أو الهندسية برؤية إيجابية وأفكار مبتكرة وجادة بنفس القدر، بعيدًا عن طرق العمل النمطية. يمكن تعظيم ذلك من خلال تفعيل براءات الاختراع أو نماذج المنفعة لتستند عليها المشاريع الناجحة، سواء كانت فردية صغيرة أو وطنية كبيرة؛ وذلك لتاكيد أن المبتكرين والمبدعين هم أساس أي تنمية في الأعمال الريادية.

ويتميز صاحب الفكرة الملقب بـ “رائد الأعمال” بصفات متميزة محددة، مثل التفكير الإبداعي والمبادرة والصبر والمثابرة وقدرة التغلب على المخاطر والعزم على النجاح، كما يعتبر التعامل مع المشكلات والتغلب عليها سمة أساسية أخرى لرجل الأعمال الناجح. ومن هنا أقترح أن التميز في ريادة الأعمال يعتمد على عدة سمات جوهرية أهمها:

  • السمات الشخصية لرائد الأعمال وفريق العمل: مثل الاستعداد الذاتي، القدرة على الإبداع وتحويل الأفكار من الخيال إلى حقيقة قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
  • تؤكد الإحصائيات أن شباب العالم، خاصة العربي، يتميز بالإبداع الفردي. ومع ذلك يظل العمل الجماعي العربي هو التحدي الحقيقي؛ لذا نوصي بتشجيع العمل الجماعي المُنظم بالمنطقة. كما يجب الاقتداءً بما جاء في القرآن الكريم “سورتي النمل والنحل” من نصائح ربانية عظيمة للعمل بروح الفريق.
  • ترسيخ ثقافة تَقْبل بيئة المجتمع المحيط للأعمال المبتكرة والعمل على تشجيعها.
  • إبعاد المسؤول ذي الأيدي المرتجفة والأفكار الاستبدادية مع مراعاة ضرورة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، كما أكدت الدراسات والدساتير، كالدستور المصري الجديد، ضرورة اللامركزية.
  • حُسن إختيار المسؤول لإدارة المؤسسات ذات الصلة بالمبتكرين والمخترعين والنوابغ والمنظمات الدولية: على أن يكون له تاريخ إبداعي حقيقي واضح ومتميز؛ لتشجيع الموهوبين والنوابغ في أي قطاع دون اضطهاده أو إيذائه. ومن باب أولى ألا يكون الموظف المرشح لديه صفات بغيضة مثل (الكراهية، الحسد، الأنانية، الطغيان، ادعاء الكمال، أو أن يكون من هواه التربص بالغير أو تجميع الأوراق القديمة). مع العلم بأن هذه الصفات لا تظهر على المرشح من خلال تقييم لجان الترشيح، بل تظهر من خلال معرفة آراء عدد من الزملاء الوطنيين الصادقين المخلصين؛ لكونهم تعايشوا مع المرشح لزمن طويل وتم معرفته عن قُرب.
  • قدرة الإرادة السياسية بجميع الدول العربية على إصدار تشريعات وطنية متوافقة معًا في ضوء تجربة الصين المتميزة من بناء ورعاية حاضنات، وما تلاها في كل من مصر والسعودية؛ ما يُمَكِن المؤسسات والهيئات، خاصة الجامعات والمعاهد البحثية وما في حكمها، من تشجيع ودعم مشاريع ريادة الأعمال ودمجها في الاقتصاد.

المملكة الأولى عربيًا في الكيمياء وعلوم الأرض والبيئة

ختامًا: ما زال الأمل يحدونا في أهمية سعي الجميع؛ أفراد ومؤسسات ودول المنطقة العربية، للتهيئة لإنجاز أعمال ريادية بإدارة رشيدة وفق معايير أخلاقية وعلمية في ظل تطور تقنيات الرقمنة المذهلة في أنظمة المعلومات، الاتصالات، علوم القياس والذكاء الاصطناعي، الهندسة الحيوية النانومترية وهندسة الدقة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تطوير ثقافة المجتمعات وتوفير مناخ جاذب للاستثمار؛ لضمان استمرار ناجح للصناعية الرقمية. كما يمكن تعظيم ذلك في الصناعات الحديثة، مثل تبني صناعة السيارات الكهربائية وصناعاتها المغذية وغيرها بالتعاون فيما بينها لازدهار الاقتصاد ورفاهية المجتمعات العربية والعالم.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن د/ صلاح حامد رمضان

أستاذ هندسة الدقة - المعهد القومي للقياس والمعايرة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي – جمهورية مصر العربية SalahAli20@Yahoo.com

شاهد أيضاً

إبداع رائدات الأعمال

إبداع رائدات الأعمال.. التحديات والإنجازات

الحق أنه لا يمكن الحديث عن إبداع رائدات الأعمال من دون الإشارة إلى تلك التحديات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.