الشخصية الخيالية في العمل

الشخصية الخيالية في العمل.. جدوى أم محض أوهام؟

إذا كان من المفترض أن تنهض الخطط على معطيات واقعية فهل من المنطقي أن نتحدث عن الشخصية الخيالية في العمل؟ الحق أن هذا هو السبب ذاته الذي يدفعنا إلى طرح المسألة على بساط البحث؛ فطالما أن الجميع يسيرون في مسار ما فلمَ لا تجسر أنت، ولو لمرة واحدة، على أن تسلك الدرب المخالف وأن تطلق العنان لخيالك؟!

ودعنا نكون واضحين منذ البداية: الذين يقولون إنهم واقعيون، ويحتكمون إلى الوقائع العينية طوال الوقت لا يفصحون بهذا القول سوى عن كسلهم عن تشغيل عقولهم؛ الواقع قارة نادرًا ما نزورها، وكلنا يعلم، بينه وبين نفسه ذلك.

ونجد كثيرًا من رواد الأعمال يبكون على ذكرى مشروع مجهض لكنهم لا يعرفون أن السبب الأساسي الكامن وراء هذا الفشل هو عدم قدرتهم على استخدام خيالهم، من هنا آثرنا طرح موضوع الشخصية الخيالية في العمل والإشارة إلى أهميتها وجدواها خاصة لرواد الأعمال.

اقرأ أيضًا: تزامنًا مع الأسبوع العالمي لريادة الأعمال.. لا تغفل تلك الأمور

الواقع وريادة الأعمال

قبل أن نتوغل في إشباع الكلام على الشخصية الخيالية في العمل يجمل بنا الإشارة إلى أن الواقع وريادة الأعمال خصمان لا يجتمعان؛ فرائد الأعمال _الحقيق بهذا الوصف_ لا يعمل وفقًا للواقع الحالي ولا يلتزم بإكرهاته وشروطه، وإنما _وذاك هو جوهر ريادة الأعمال_ يحاول تغيير هذا الواقع وتعديل مساره.

وعلى الصعيد النظري ثمة معضلة أخرى مفادها: أن إدراك الواقع أمر جد محال؛ نحن لا ندرك الوقائع في صيغتها الصماء كما هي في ذات نفسها، وإنما نخلع شيئًا من ذواتنا عليها، وتلك مسألة يسميها فلاسفة اللغة «التأويل»، كما هي متواترة في دراسات وبحوث علماء الاجتماع تحت مسمى «Reflexive».

إذًا، «الواقع لا يقع» _ونحن هنا نستعير لسان جان بودريار الفيلسوف الفرنسي الشهير؛ الذي بسط هذه المسألة في ثلاثة مقالات ضخمة_ وإنما الذي يقع هو إدراكنا له، وتأويلنا إياه.

يُفهم من هذا أن الخيال _وتذكر أننا نتحدث عن أهمية الشخصية الخيالية في العمل_ هو العنصر أو الصفة المميزة لبني البشر، ونخشى أن نقول: وليس سواه.

غاية ما نريد قوله في هذه الجزئية أن ريادة الأعمال والواقع عدوان لا يلتقيان؛ فرائد الأعمال يسعى، أولًا، إلى اكتشاف مشكلة ليست ظاهرة للعيان، وهو هنا لا يستعين بأكثر من خياله وغالبًا استشرافه للمستقبل، كما أنه لا يوقف حدود تفكيره عند الوقائع العينية الموجودة، والتي يدركها أو على الأقل يجهد نفسه من أجل ذلك، وإنما يذهب إلى ما ورائها. ريادة الأعمال هي اشتغال مكثف على الـ «ما وراء» والـ «ما بعد» هذا.

اقرأ أيضًا: مخاطر كونك رائد أعمال.. كيف تواجه التحديات؟

أهمية الشخصية الخيالية في العمل

  • كل بداية خيال

تأمل كل المشروعات الرائدة وذات الصيت العالمي والقدم الراسخة في السوق وستخلص إلى نتيجة أساسية مفادها: كل بداية خيال، كل مشروع ناجح كان في الأصل فكرة غير مألوفة نتاج قريحة شخص متوقد الذهن خصب الخيال.

هل أنا بحاجة لأشير لك إلى أمازون، فيسبوك، إنستجرام؟! كل هذه المشروعات كانت نتاج فكرة غير مألوفة. إذًا تبدأ ريادة الأعمال بالخيال، ولعلك بهذا تكون تلمست طرف الخيط الرابط بين الشخصية الخيالية في العمل والجدوى الاقتصادية التي يوفرها أمثال هؤلاء القوم.

اقرأ أيضًا: نصائح ماريسا ماير لرواد الأعمال.. إرشادات تقودك للنجاح

  • فهم التحديات والفرص

لا أحد أكثر قدرة على إدراك كُنْه التحديات والفرص من صاحب الشخصية الخيالية في العمل، تُرى هل هذا كلام غير عقلاني؟! إن الحضارة التي قامت على العقل ونصّبته طاغوتًا على العالم برمته آلت إلى السقوط أو آيلة إلى الزوال.

وبعيدًا عن تأمل أعطاب الحضارة ذاك، لك أن تعلم أن صاحب الشخصية الخيالية في العمل قادر على فهم الآخرين، والتماس الأعذار لهم، ووضع نفسه مكانهم، إنه متعاطف معهم حد النخاع وحتى العظم، والتعاطف مبدأه خيال كما تعلم؛ فلكي أتعاطف مع شخص لم يؤد ما عليه من مهام وظيفية في هذا اليوم عليّ، أولًا، أن أضع نفسي مكانه، وأرسم في ذهني طبعًا طائفة واسعة من الاحتمالات التي ساقته إلى ذلك.

وعلى الناحية الأخرى، عادة ما تكون الفرص كامنة أو متوشحة بحجاب كثيف من الوقائع العادية والمألوفة، ومن ثم فإن إدراكها وتاليًا اقتناصها يتطلب خيالًا خصبًا وأفكارًا نشطة.

وطبعًا لستَ بحاجة كي يقول لك كاتب من «رواد الأعمال» إن الخيال وحده قادر على تحويل التحديات إلى فرص، تأمل ما حدث مثلًا بسبب جائحة كورونا، وكيف تمكن أولئك الأشخاص الخياليون من تحويلها إلى فرصة وإلى تحقيق قفزات نوعية من خلالها.

الشخصية الخيالية في العمل

اقرأ أيضًا: كيف تتخلص من الوظيفة وتصبح رائد أعمال؟

  • تخطي الخسارة

ريادة الأعمال والفشل صنوان، ذلك أمر لا يمتري فيه اثنان، لكن الريادة الحقة هي تلك التي بإمكانها عبور الفشل، وتجنيده لصالحها، ومن هنا تنبع أهمية الشخصية الخيالية في العمل؛ إذ إنها تفكر دومًا في استراتيجيات وسيناريوهات بديلة، وهكذا نتجاوز الخسارة ونعانق النجاح.

اقرأ أيضًا:

كيف تكون ريادة الأعمال أسلوبًا لحياتك؟

منظومة ريادة الأعمال.. مكوناتها وعناصرها

ريادة الأعمال ورفع جودة الحياة

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كيف تثقف نفسك في ريادة الأعمال

كيف تثقف نفسك في ريادة الأعمال؟.. استراتيجية التفوق الريادي

لا يُمكن أن يغطي تعليمك الحالي جميع الكفاءات اللازمة لتمكينك من بدء عمل تجاري وإدارته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.