الحفاظ على السعادة

الحفاظ على السعادة.. العيش بطريقة الحكماء

يعني السعي إلى الحفاظ على السعادة أننا سعداء في اللحظة الراهنة، لكن هذه فحوى دلالية مضللة، فنحن ندرك أن السعادة شعور مؤقت، هارب، كما أنها فجائية في كثير من الأحيان، ومن هنا فحتى وإن كنت سعيدًا الآن/ هنا، فمن المحتمل جدًا أن تنقلب الأمور رأسًا على عقب، وأن تشعر بالضيق والكدر.

ناهيك عن أن الوسائل التي سنذكرها هنا من أجل الحفاظ على السعادة لا توقع السعادة في فخ الأبدية/ الديمومة فحسب، ولكنها تنقلك من حالة السأم والاكتئاب إلى السعادة. لكن ليس هذا هو كل شيء، فهناك مسألة يجب أن تعيها عن ظهر قلب وهي أن «السعادة قرار والحفاظ عليها اختيار».

مُربك هذا القول، أليس كذلك؟ لكنه حقيقي، فكل شيء في حياتنا متعلق بالاختيار، باختيارك الشخصي، كل ما أنت عليه حاليًا نتيجة حتمية لاختياراتك، وكذلك كل ما ستكون عليه في المستقبل. كما أن الحزن مغرٍ على نحو كبير، فمن خلاله يكشف الوجود البشري عن نفسه تمامًا، وفيه تصل الإنسانية إلى ذروتها لكن الثمن المدفوع فيه من العملة النادرة.

والآن لنفترض أنك الآن، في هذه اللحظة الراهنة الهاربة من فخ الواقع، سعيد، فكيف يمكنك الحفاظ على السعادة التي تشعر بها؟ إليك الإجابة من «رواد الأعمال».

اقرأ أيضًا: تدريب على السعادة.. 7 مبادئ أساسية من علم النفس الإيجابي

السعادة على طريقة أبيقور

«السعادة قرار» ولكي لا يبدو هذا القول مربكًا أو مجافيًا للمنطق، فسنضرب المثال بواحد من أبرز الذين فلسفوا السعادة وادعوا أنهم عاشوا حياة رغدة حتى اليوم الأخير، رغم المعاناة الشديدة التي عاناها في آخر أيامه، إنه أبيقور؛ الفيلسوف اليوناني القديم، ومن غيره يمكن أن يعلمنا كيف نكون سعداء؟!

فواحدة من تقنيات هذا الحكيم؛ من أجل الحفاظ على السعادة حتى في أكثر المواقف بؤسًا، أنه بدلًا من التركيز على الألم يجب تذكر إحدى تلك اللحظات في الماضي عندما كنت أكثر سعادة؛ فمن خلال التدريب الكافي للعقل، ستكون قادرًا على تحقيق مثل هذه الحيوية من الخيال؛ بحيث يمكنك استعادة هذه التجارب وتلك السعادة.

من جانبه، يُجلّي فيكتور فرانكل؛ الطبيب النفسي الفييني الذي عانى أربع سنوات في معسكرات الاعتقال المختلفة، هذه الفكرة جيدًا؛ حيث يقول إن أحد الأشياء القليلة التي كانت قادرة على إعطائه شعورًا بالسعادة كانت استحضار صورة لزوجته المحبوبة، والانخراط في محادثة وهمية معها.

ويستطرد قائلًا:

«تشبث ذهني بصورة زوجتي، تخيلتها بحدة خارقة، سمعتها تجيبني، رأيت ابتسامتها، مظهرها الصريح والمشجع. وسواء كان حقيقيًا أم لا، كان مظهرها أكثر إشراقًا من الشمس التي بدأ في الارتفاع».

ما الذي حدث هنا بالضبط؟ إنه ارتحال من الهُنا/ والآن صوب عوالم متخيلة، فراديس مفقودة يظن المرء أنه كان من سكانها ذات يوم. أبيقور مثلًا كان يتذكر، وهو على فراش الموت، تأملاته الفلسفية، وأفكاره التي منحته عزاءً أنساه الألم الفاجع الذي يشعر به.

هذا الواقع المصطنع يذكرنا بـ «أبولو»؛ الإله اليوناني القديم، الذي كان ينحاز للخيال، والارتحال نحو الذات هربًا من جحيم الواقع وعذاباته.

اقرأ أيضًا: قيود النجاح والالتزام به.. كيف تصل إلى هدفك؟

الثراء الداخلي

إليك معضلة كبرى، وهي أحد أبرز أسباب التعاسة: يرهن الناس شعورهم بالسعادة بنظرة الآخرين لهم. وستجد بيانًا لهذه الفكرة على نحو جليّ في كتاب آلان دو بوتون ذائع الصيت: «قلق السعي إلى المكانة» وبعض من تحليلات تزفيتان تودورف المسمى «الحياة المشتركة»، لكن، ومن دون الدخول في تفاصيل كثيرة، مَن قال إن الناس صادقون في نظرتهم إليك؟ الناس مغرضون، ولا يسعون إلا إلى مصالحهم الشخصية في المقام الأول، ومن ثم يضعونك في المرتبة التي يمكن أن تحقق لهم من خلالها أكبر نفع.

ينقل آلان دو بوتون عن وليم جيمس في كتابه «مبادئ السيكولوجيا» قوله:

«لا يمكن ابتكار عقاب أشد شيطانية، إن كان هذا ممكنًا ماديًا، من أن ينطلق المرء ساعيًا في المجتمع من دون أن يلاحظه أحد بالمرة، إن لم يلتفت أحدٌ عندما ندخل مكانًا، وإن لم يجبنا أحد عندما نتكلم، أو لم يعبأ أحد بما فعلنا، ولكن إذا ما تجاهلنا كل شخص كأننا موتى، فسرعان ما يتصاعد بداخلنا نوع من الحنق واليأس والعجز، مقارنة به سيكون أي تعذيب بدني مصدرًا للراحة». (نقلًا عن: آلان دو بوتون، قلق السعي إلى المكانة، ص ص 14: 15).

والمعنى هنا أن ذاك الشخص الذي يستمد سعادته، أهمية وقيمته من الآخرين سيظل تعيسًا طوال حياته، فالناس، كما قلنا، مغرضون، ولا يمنحون أحدًا قيمة ولا يعيرونه التفاتًا إلا إذا كان مفيدًا أو نافعًا بالنسبة لهم.

ويقول «تزفيتان تودورف» في كتابه «الحياة المشتركة»:

«إن الذي لا يكون سعيدًا إلا تبعًا لاختيار الآخر ( على الرغم من كل العطف الذي يتمتع به هذا الآخر) فإنه يحس حقًا بأنه تعس».

والحل الذي يطرحه آرثر شوبنهاور في كتابه «فن العيش الحكيم» هو «الثراء الداخلي»، فكلما كنت ممتلئًا من الداخل، مدركًا لقيمتك الذاتية، لديك ما تفعله لنفسك حقًا، فستكون مكتفيًا بذاتك. والأهم من هذا أن الآلام والشدائد لن تفت في عضدك طالما أنك عرفت من أنت؟ وأنك قادر على التخطي والتجاوز، ليس هذا فحسب، وإنما ستتعامل مع الأمور التي قد تحدث لغيرك مشقة أو ألمًا فادحًا بهدوء وسكينة، كأن يتجاهلك أحد، أو ألا يسمع أحد قولك، أو لم يعرك اهتمامًا. لن يؤثر أحد فيك إلا إذا قررت أنت ذلك.

الحفاظ على السعادة

اقرأ أيضًا: ثقافة الاختلاف وفن تطوير الذات

الحفاظ على السعادة وتأنيب الضمير

إذا كنت تريد حقًا معرفة كيفية الحفاظ على السعادة فاخرج أولًا من الجحيم الأرضي؟! أتدري ما هو هذا الجحيم؟! إنه تأنيب الضمير، تأنيب على كل ما فعلت، وكل ما لم تفعل، جزع على ما فات، وخوف مما هو آت.

الحفاظ على السعادة وتأنيب الضمير لا يستقيمان أبدًا، من المهم طبعًا أن تكون حريصًا على عدم إلحاق الأذى بالآخرين، لكن هذا لا يعني أن تحاول إرضاءهم قاطبة، ولا يعني أيضًا أن «تُكيّف» حياتك وطريقة عيشك وفقًا لهم.

إن واحدًا من أبرز أسباب تأنيب الضمير ومن ثم التعاسة هو محاولة إرضاء الجميع، لا تتصور أن ذلك هدفًا ساميًا، فهو _بغض النظر عن كونه مستحيلًا_ ينم عن وجود شخص غير سوي، فكيف بحق الله سترضي الجميع إذا كانوا مختلفين تمامًا، وما يريدونه منك متناقض جدًا، إن حاولت فعل ذلك فقد تسقط في فخ النفاق، ووقتها لن تعرف كيفية الحفاظ على السعادة بل ستسقط فريسة لشعور لا يرحم بالمرارة.

اقرأ أيضًا:

تجنب نظرية المؤامرة.. جدوى الانشغال بالذات

تخطي أعداء النجاح.. ما السبيل؟

كورونا ومخاوف العيش في ظل المجهول

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

صناعة القادة

طرق صناعة القادة.. استراتيجيات أساسية

ينطوي سؤالنا عن طرق صناعة القادة على إجابة ضمنية عن سؤال شائك آخر ويتم طرحه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.