الجامعات السعودية .. وصناعة الاجتماعات

يعتقد كثيرون بأن اقتصاد الدول ومصادر دخلها، يرتبط حصريًا بمصادر الطبيعة الموجودة في باطن الأرض؛ كالنفط, والمعادن, والغاز، والحاصلات الزراعية، وأيضًا المنتجات الصناعة.

ولاشك في أن ذلك، توجه صحيح, لكنَّ هناك مصادر أخرى قد تساعد كثيرًا في رفع مستوى الدخل القومي، فها هي سنغافورا- بعد أن كانت دولة شحيحة المصادر، تعتمد على ماليزيا في كل سبل العيش- أصبحت دولة مستقلة ذات بنية قوية اقتصاديًا ومعرفيًا، تعتمد بشكل كبير على مصادر دخل لا تتعلق بالنفط كمصدر دخل بالدرجة الأول, وإنما تعتمد على العنصر البشري وبناء مصادر المعرفة، كما تُعد من أفضل الدول الصناعية في العالم، وتتميز بكونها حاضنة لأفضل النظم المالية، مع احتوائها على أفضل ميناء بحري، وصاحبة نظام متقدم في الخدمات الصحية.

كل هذه المصادر- التي لا تتعلق بالطبيعة- قادت سنغافورا لتصبح من أغنى دول العالم؛ حتى إنَّ المستثمرين الأجانب يتنافسون على الاستثمار بها.

تنوع مصادر الدخل

وتشهد السعودية حاليًا تقدمًا ملحوظًا بتنوع مصادر الدخل, فهناك مشاريع سياحية، وترفيهية، ومشاريع تقنية، وطاقة متجددة، وغيرها من المشاريع التي ستؤدي- بإذن الله تعالى- إلى الاعتماد على مصادر أخرى، بعيدًا عن النفط.

انتعاش الاقتصاد السعودي

ومن مصادر الدخل التي قد تؤدي إلى انتعاش كبير في الاقتصاد السعودي -إذا تمت حوكمته بصورة فاعلة- “صناعة الاجتماعات”؛ تلك الصناعة التي لها دور كبير في تنمية الاقتصاد الوطني؛ لأنه يتقاطع مع جميع القطاعات الاقتصادية والمعرفية، ويروج للصناعات الوطنية بشكل مميز.

وقد ساهم البرنامج الوطني للمعارض والمؤتمرات- الذي يترأسه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني- في التركيز على تطوير معايير إقامة المعارض التجارية في المملكة؛ لما لها من فوائد كبيرة في جلب الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى العائد السياحي المتوقع من إقامة تلك المؤتمرات؛ نتيجة الإنفاق المتوقع من زوار المعارض.

وقد تم التركيز على شركات محلية رائدة في مجال إقامة المؤتمرات والاجتماعات؛ للمشاركة في تنشيط هذه الصناعة واعتبارها شركاء أساسيين لإنجاح هذه الصناعة, إلا أنَّ هناك شركاء آخرين قد يكونون ذوي فائدة كبيرة لنمو هذه الصناعة بشكل واضح؛ ألا  وهي  “الجامعات السعودية”؛ إذ تلعب دورًا بارزًا؛ عبر مكانتها الاجتماعية المرموقة، ودورها المهم في بناء مجتمعات المعرفة؛ من خلال ما تساهم به من تخصصات نوعية وكوادر بشرية مؤهلة علميًا وأكاديميًا, إضافة إلى رصيد البحث العلمي والتطوير والابتكار، ونشر المعرفة والأبحاث التي تم الاستفادة منها كثيرًا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعنا، علاوة على المباني والمسارح المؤثثة بأحدث وسائل التقنية، والمؤهلة لاستقبال الضيوف.

حلول بحثية

وبات القطاعان الخاص والعام يتنافسان على خلق شراكات مع الجامعات المحلية لدورها الكبير في بناء مجتمع المعرفة، وخدمة المجتمع، والعمل على إيجاد حلول بحثية متطورة للمشاكل التقنية, والمالية، والاقتصادية للقطاعين.

وتتصدر جامعاتنا مراكز عالمية متقدمة من بين أفضل جامعات العالم؛ إذ جاءت سبع جامعات سعودية من بين أفضل 1000 جامعة في العالم؛ لتميزها في مجال الأبحاث النوعية، ونشر المعرفة لخدمة البشرية.

آلية مناسبة

كل هذه العوامل وغيرها، قد تؤهل الجامعات السعودية لتتكامل مع القطاع الخاص لتصنع جانبًا آخر مضيئًا لصناعة الاجتماعات؛ وهو ما يتطلب التنسيق بين وزارة التعليم- ممثلة في الجامعات السعودية والبرنامج الوطني للمعارض- ووزرة الحج والعمرة، والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني؛ لإيجاد آلية مناسبة لجلب الأكاديميين والباحثين من مختلف دول العالم، وإبراز نقاط القوة البحثية والمعرفية التي تتمتع بها كل جامعة، مع الأخذ في الاعتبار المناطق الجغرافية السياحية للمدينة التي توجد بها الجامعة، واستغلالها سياحيًا كوسائل ترفيه، بجانب حضور المؤتمرات.

السياحة الدينية

ويمكن أيضًا ربطها بالسياحة الدينية؛ بالتنسيق مع وزارة الحج والعمرة والسفارات السعودية في الخارج لجذب المعتمرين والحجاج لحضور الندوات والمؤتمرات أثناء أدائهم الشعائر المختلفة؛ وبذلك تتوافق مع رؤية 2030 الهادفة إلى زيادة عدد الحجاج إلى 30 مليون سنويًا, وزيادة  الإنفاق السياحي إلى 27 مليار دولار وتوفير نحو 1.5 مليون وظيفة بحلول عام 2030.

أتمنى أن تسهم صناعة الاجتماعات الأكاديمية في خلق حراك اقتصادي، يضاف إلى النتائج المبهرة التي حققتها الاجتماعات التجارية.

الرابط المختصر :

عن د. هاشم بن عبدالله النمر

المشرف العام على مركز الإبداع وريادة الأعمال بجامعة جدة

شاهد أيضاً

الشراكة الناجحة

ثلاثة طلاب لم يتخرجوا بعد من كلية التجارة، طلبوا مني مساعدتهم بالحصول على مقر مناسب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.