الثورة الصناعية الرابعة

الثورة الصناعية الرابعة

في الماضي، كان هناك نيوتن، وأينشتاين، وماري كوري، وقبلهم كان الحسن بن الهيثم، والجَزَري، وابن سينا، والخوارزمي؛ عباقرة وعلماء أبدعوا في علوم واختراعات ساعدت في استحداث منتجات لا زلنا نستخدمها حتى الآن.

كان الفاصل الزمني بين كل عالم يمتد أحيانًا لمئات الأعوام، أما الآن فإن العلوم تتقدم بوتيرة أسرع مما كان في الماضي؛ عبر ثورات صناعية متتالية، كان أولها الثورة الصناعية الأولى في العام 1784 مع اكتشاف الطاقة البخارية وتسيير القطارات وبدء عمل مصانع النسيج ومعرفة خطوط الإنتاج الميكانيكية، ثم كانت الثورة الصناعية الثانية في العام 1870 مع اكتشاف الطاقة الكهربائية ليظهر الإنتاج الكَمِّي وتعاظم دور العمال، تلتها الثورة الصناعية الثالثة في العام 1969 مع اكتشاف أشباه الموصلات والاستفادة من علوم الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات وظهور الأجيال الأولى من أجهزة الكمبيوتر.

التقنيات البازغة

ومنذ العام 2000، نعيش أجواء وتطبيقات الثورة الصناعية الحالية الرابعة، والتي من أبرز مظاهرها التقنيات البازغة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والأنظمة المُدمجة، والواقع المُعزز، والأمن السيبراني، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والمركبات ذاتية القيادة، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وعلم المواد، والحوسبة الكمومية، وسلسلة الكتل، وغيرها من المجالات.

لقد أثرت هذه التطبيقات في مجالات حياتية كثيرة؛ منها: الرعاية الصحية، وعالم التصنيع، وصحة وصيانة الآلات، والطاقة، والمياه، والزراعة، ومزارع الدواجن والماشية والأسماك، والماليات، والتسويق، والبورصة والتنبؤ بأسعار الأسهم، والتجارة الإلكترونية، وتجارة التجزئة والجملة، والضيافة والفندقة، والملابس والأزياء، والمدن والبيوت الذكية، والألعاب، والترجمة، واللغات، والأنظمة الخبيرة، والاستشعار والرؤية، والنقل والمواصلات، وسلاسل الإمداد، والخرائط، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من المجالات.

لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما سيحدث في المستقبل القريب من تطورات جرَّاء هذه التقنيات؛ حيث يمكن لبعض الروبوتات تعليم نفسها بنفسها ولو بقدر ضئيل لترفع من مستوى ذكائها، فهل يمكن تطورها إلى أجيال يمكن أن تسبب خطرًا على الإنسان الذي طورها؟

جيش تكنولوجي

يُبدي بعض العلماء تخوفًا من أنه بمجرد إنشاء جيش مزود بتطبيقات التكنولوجيا، فربما يقع في أيدي المجرمين والإرهابيين؛ ما يؤدي إلى نشوء حروب، كما يخشى العلماء من أن الطائرات بدون طيار ذاتية التحكم، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والدبابات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي، قد تتعثر في أي هجوم عبر الإنترنت أو نتيجة لأخطاء في البرمجة.

الروبوتات المنزلية

في المقابل، يعتقد علماء آخرون أنه سيتم دمج الروبوتات مع البشر في بيئتهم، وسوف تعتمد على الناس بشكل كبير وتتعلق بهم، كما أن الروبوتات المنزلية، ستثير تعاطف أصحابها، وتتحول إلى فرد من أفراد الأسرة، مؤكدين أن موضوع تهديد الجنس البشري من جانب الذكاء الاصطناعي يقتصر على أفلام الخيال العلمي فقط.

الثورة الصناعية الرابعة

مشكلة البطالة

إن أكثر الأسئلة التي أتلقاها في محاضراتي حول تطبيقات التكنولوجيات البازغة- وتعكس تخوفًا لدى السائل- تدور حول مضمون واحد: هل يمكن للروبوت أن يحل مكاننا بالمستقبل، أو يتسبب في زيادة البطالة أو القضاء على وظائف بعينها؟

الإجابة نعم ولا في الوقت نفسه: نعم، هناك وظائف ستتأثر جرَّاء الثورة الصناعية الرابعة، لكنها لن تختفي بل ستستفيد منها؛ فعلى سبيل المثال: المحامون الذين يقومون بالعمل الروتيني وترتيب أوراق القضايا، ستتطلب المهام القانونية منهم في المستقبل خبرةً وتخصصًا أقل؛ حيث سيكون لبرمجيات الكمبيوتر الدور الأكبر في تنفيذها.

كذلك، ستستفيد بعض فروع الطب من التطور في تشخيص الأمراض إلكترونيًا، وفي الوقت نفسه تستمر الحاجة للأطباء والمسعفين في أقسام الطوارئ، كما يمكن بالفعل لبرامج الكمبيوتر الآن تصميم المباني، وقد لا ينجو مستقبلًا، سوى المعماريين أصحاب المهارات الإبداعية والفنية.

الضرائب المعقدة

العاملون في مجالات الضرائب المعقدة سيحتفظون بوظائفهم، لكن سيختفي المحاسبون الذين يتولون الحسابات البسيطة بسبب تراجع الطلب عليهم، وحلت أجهزة المراقبة التكنولوجية محل أفراد الشرطة القائمين بأعمال المراقبة، وسيقل الطلب على هذه الوظائف، لكنها لن تختفي تمامًا.

ونرى حاليًا كيف أثَّرت المواقع الإلكترونية على أرباح وكالات التسويق العقاري التقليدية؛ إذ أصبحت هي الصلة المباشرة بين المشترين والبائعين، وسوف تُستحدث وظائف جديدة تعادل وظيفة المراقبين الجويين لمراقبة سير المركبات ذاتية القيادة على الطرق.

إنترنت الأشياء

كذلك، ستؤدي خدمات التسليم في نفس اليوم والتعبئة والتخزين الآلية إلى إحداث المزيد من الوظائف، وسوف تؤدي تكنولوجيا إنترنت الأشياء من السيارات، وحتى الأجهزة المنزلية، إلى ارتفاع كبير في الطلب على العاملين في مجالات؛ مثل تحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني.

لذلك، من المهم لشباب المستقبل أن يتعلموا تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة، مع التركيز على أربعة مجالات: “العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات”، والتي يُشار إليها بالاختصار (STEM)، إضافة إلى بعض المهارات الناعمة؛ كمهارات الاتصال، والإبداع، والذكاء العاطفي.

اقرأ أيضًا:

لماذا تقدمت دول الخليج العربي في مؤشر السعادة؟

كيف تنمي مهارة القراءة؟

التخطيط السليم 

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن نبيل محمد شلبي

الدكتور نبيل محمد شلبي، خبير دولي في نشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة بالهندسة الصناعية من كلية الهندسة بجامعة المنصورة. كتب مئات المقالات التي تستهدف تنمية الشباب وتوجيه بوصلتهم نحو المستقبل بالعمل والإنتاج. مؤسس ورئيس دار المستثمر العربيArab Entrepreneur House للخدمات الاستشارية. يتمتع بخبرة واسعة في تقديم حلول مبتكرة للحكومات والمؤسسات والمنظمات غير الربحية والجامعات بالعديد من الأقطار العربية في تصميم وتنفيذ وقياس ومراقبة برامج الابتكار ونشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ألف 32 كتابًا، منها الكتاب الأكثر مبيعًا "ابدأ مشروعك ولا تتردد"، الذي طبع ست مرات، واختير كمنهج لريادة الأعمال في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية. صمم أول خريطة تفاعلية للبيئة الداعمة الإيكوسيستم لريادة الأعمال في مصر تضم 236 جهة في إصدارها الخامس، حصل بسببها على الجائزة العالمية "الفكرة الأكثر إبداعًا" من المجلس الدولي للمشروعات الصغيرة. صمم ونفذ مئات البرامج التدريبية في ريادة الأعمال، للبادئين والمبتكرين وأصحاب ومديري المنشآت الصغيرة القائمة، تخرج منها المئات من رواد ورائدات الأعمال العرب. تتضمن الأنشطة التي يقوم بها، إعداد مناهج تعليم ريادة الأعمال بالجامعات العربية، وتدريب المدربين في هذا المضمار من أساتذة الجامعات. قدم أكثر من ثمانية آلاف استشارة لرواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة. عمل مديرًا لأول حاضنة تكنولوجية داخل حرم جامعي في مصر، وأسس وأدار أول مركز تنمية منشآت صغيرة بالسعودية، وصمم أول برنامج لتأهيل المصانع الصغيرة والمتوسطة بالسعودية، وصمم أول حاضنة تكنولوجية في الخليج العربي، وصمم جوائز للأفضل أداءً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبرامج كمبيوتر لتشخيص المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية. يكتب الدكتور نبيل، مقالات دورية في مجلة "رواد الأعمال" ومجلة "الاقتصاد" التي تصدرها غرفة الشرقية بالسعودية، ومجلة "لغة العصر" التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية. يدرس لطلاب الهندسة بمعهد مصر العالي للهندسة والتكنولوجيا (السلاب)، وطلاب الدراسات العليا بمعهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، وطلاب برنامج الهندسة الطبية بكلية الهندسة بجامعة المنصورة. اختير ضمن أفضل مائة شخصية بالعالم في مجال الإبداع وريادة الأعمال من منظمة "إنتوفيجن" الأمريكية، واختير مستشار بناء قدرات ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة لـ 57 دولة أعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي. تم تكريمه في أمريكا وماليزيا وأيرلندا والعديد من البلدان العربية والأجنبية.

شاهد أيضاً

اليوم الوطني

اليوم الوطني 91.. قيادة وسيادة

كان من توفيق الله لأبناء شبه الجزيرة العربية أن حباها الله بالملك عبد العزيز آل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.