التسويق العصبي

التسويق العصبي.. فتح علمي أم معضلة أخلاقية؟

ما إن يجري الحديث عن التسويق العصبي حتى يقفز إلى الذهن تلك الاعتراضات الأخلاقية التي تُثار حوله؛ إذ من المعلوم أن هناك معارضين لهذا التوجه من الأساس، ويرون أنه سطو على الخصوصية، وإسهام في تشييء الإنسان واغترابه عن نفسه وعن محيطه.

ويفضي الأمر في نهاية المطاف، حسب معارضي التسويق العصبي وتطبيقاته، إلى نوعية من قولبة البشر، اعتمادًا على مجموعة من الدراسات التي تم إجراؤها على بعض الشرائح والفئات.

إن العقل ملكية خاصة، ولا يجوز أن يتم السطو عليه بهذه الطريقة، ولا أن يتم قولبته، ناهيك عن أن اللاوعي _مصدر اشتغال التسويق العصبي بالأساس_ هو أخص خصائص الإنسان، بل هو (إن جاز القول) الروح، ومن ثم فإن إخضاع هذا اللاوعي لدراسات تسويقية يعني أنك تسطو على الإنسان وعلى أخص خصائصه.

لكن الأمر على الجهة المقابلة ليس بهذه القتامة، حسب مؤيدي التسويق العصبي، فالتسويق العصبي، كغيره من فروع التسويق، يهدف إلى دراسة المستهلكين واستجاباتهم، علاوة على أن الأفكار _حسبما يقولون_ واحدة، وبالتالي فإنهم لا يمارسون إكراهًا على العقل أو حتى منتجاته (الأفكار). وهذان طبعًا طرفان احتاجا إلى واسطة، بلا إفراط أو تفريط.

اقرأ أيضًا: أخطاء التسويق وتأثيرها في قرارات الشركات

معضلة القرار ووفرة الاحتمالات

بيد أن ما يجعل من التسويق العصبي أداة ملائمة أو بالأحرى طوق نجاة هو كونه طريقة مثلى لتخليص المستهلك من بحر الاحتمالات الذي هو غارق فيه؛ بفعل كثافة الإنتاح، لك أن تتخيل أن هناك _على سبيل المثال_ 800 علامة تجارية للمياه المعدنية في الولايات المتحدة وحدها.

سوى أن التسويق العصبي _والحق يقال_ لا يقدم حلًا للمستهلك بقدر ما يساعد المسوقين؛ إذ إن الاعتماد على الوسائل والطرق التسويقية التلقيدية لن يقدم إجابة شافية عن سبب تفضيل هذا المستهلك بالذات للمياه المعدنية من “إيفيان” على حساب “أكوافينا”.

وثمة نقطة أخرى: يتخذ المستهلكون قرارات لا عقلانية، عاطفية، وغالبًا لا واعية، ومن ثم فإن التسويق العصبي يحاول فهم الأسباب الكامنة وراء هذا الخيار بعينه دون غيره.

اقرأ أيضًا: ما هو التسويق الطنان؟

التسويق العصبي

ما هو التسويق العصبي؟

والآن ما هو حقًا التسويق العصبي؟ أولًا لنا أن نعلم أن الاهتمام بعلم أعصاب المستهلك قد بدأ في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأ باحثو كلية إدارة الأعمال في إثبات أن الإعلان والعلامات التجارية وأساليب التسويق الأخرى يمكن أن تكون لها تأثيرات قابلة للقياس على الدماغ.

ومن هنا كانت الشرارة التي انطلق منها التسويق العصبي، الذي يعمل على توظيف العلم السلوكي المعرفي في إعداد أبحاث السوق؛ لتقييم استجابة المستهلك لمحفزات التسويق المختلفة.

إذًا فالتسويق العصبي هو الطريقة الوحيدة لجمع المعلومات مباشرة من مصدر صنع القرار البشري: العقل الباطن.

وثمة من يُعرّف التسويق العصبي بأنه تطبيق علم الأعصاب على الأنشطة التسويقية، ويشمل الاستخدام المباشر لتصوير الدماغ أو المسح الضوئي أو غير ذلك من تقنيات قياس نشاط الدماغ؛ لقياس استجابة الشخص لمنتجات معينة، أو تغليف، أو إعلان، أو عناصر تسويقية أخرى.

ويدرس مجال التسويق العصبي، المعروف أحيانًا باسم علم أعصاب المستهلك، الدماغ (اللاوعي تقريبًا)؛ للتنبؤ بل ربما التلاعب بسلوك المستهلك واتخاذ القرار.

ويستخدم المسوقون العصبيون مجموعة واسعة من تقنيات التسويق العصبي في سعيهم لفهم سلوك المستهلك بشكل أفضل.

وتنقسم التكنولوجيا عمومًا إلى معسكرين: تلك التي تقيس نشاط الدماغ العصبي وتلك التي تستنتج الاستجابات العصبية بالوكالة. وكلها تقيس نشاط الدماغ المرتبط بوظائف معينة في الدماغ.

وعلى أي حال فإن أدوات التسويق العصبي هي أدوات طبية في المقام الأول، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي، وتتبع حرارة الجسم، أو دقات القلب، أو انفعالات الجسد.. وغيرها.

اقرأ أيضًا: فريق التسويق الرقمي.. مهارة التحليل داخل الشركات

التسويق العصبي

الجدوى العملية

يبدو هذا السؤال غريبًا إذا ما طرحناه في هذا المجال التسويقي الذي هو ليس حديثًا فحسب بل ما زال راهنًا، وحوله هالة من الوهج والجِدة الكبيرتين، لكن الحق أن أحد أكبر الانتقادات التي تُوجه إلى التسويق العصبي هو أنه لا يقدم معلومات جديدة.

فالأمر كما يقول Eben Harrell: «هل يحتاج المسوقون حقًا إلى إخبارهم بأن أدمغة الناس تتفاعل بشكل مختلف مع كوكاكولا وبيبسي لفهم أهمية العلامة التجارية».

وأهمية هذا الانتقاد أنه يبعد عن المنحى الأخلاقي الذي صدرنا به حديثنا، وإنما يحاول الاقتراب من الجدوى العملية للتسويق العصبي، ويؤكد أنه ما من جدوى له أبدًا.

والحق؛ كي نكون موضوعين، أن هذا أمر لا يمكن القطع به؛ إذ إن علامات تجارية كبرى مثل Soup Campbell وGerber وFrito-Lay تستخدم هذا النوع من التسويق، وتزعم أنه مفيد بالنسبة لها وإلا ما أقدمت على استخدامه.

اقرأ أيضًا:

ما هو “Growth Marketing” وكيف يعمل؟

 3 عوامل سحرية لنجاح تسويق المحتوى عبر الإنترنت

3 نصائح تساعد محترف المبيعات في إرضاء العملاء

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

التواصل التقليدي

التواصل التقليدي والتسويق.. هل انتصرت الرقمنة حقًا؟

ربما قيل أن أوان التواصل التقليدي والتسويق التلقيدي قد ولى وانقضى، بل قد يجنح البعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.