البيانات المتمركزة حول المورد البشري

كثيرًا ما نسمع عن مفهومي البيانات والمعلومات، التي تمثل لغير المتخصصين مدلولات مترادفة، بينما تشير أدبيات نظم المعلومات لمفهوم البيانات في أبسط صورها إلى مجموعة حقائق موضوعية، يتم تجميعها بالأدوات العلمية الشائعة، فإذا ما عُولجت، أُطلِق عليها مصطلح “معلومات”.

وفي محيط علم الإدارة، لا تقف عملياتها عند مستوى المعالجة، بل تتجاوز ذلك إلى ما يسمى بـ “تحليل المعلومات وتصنيفها وتفسيرها”، بما يسهم في بناء قدرات تنبؤية، تساعد على صناعة القرار واتخاذه بطريقة رشيدة؛ من أجل رفع مستوى الأداء. ولنعلم جيدًا أنَّ إدارة المؤسسات التي تهتم برعاية البيانات واستثمارها، ستضمن لها البقاء، وإعادة ابتكار كيانها، علاوة على التنافسية.

البيانات الضخمة
يشير تقرير نشرته Tata Consultancy Services لعام 2013 ، إلى أن امتلاك المؤسسات للبيانات الضخمة “Big Data” ، ساهم في تحسين مستوى استبقاء الموظفين، كما أشار لدور التحليل التنبؤي في تمكين المنظمة من التعرف على قدرات مواردها البشرية، ومدى ملاءمتهم لوظائفهم ومهامهم في نطاق تلك الوظائف، بل تجاوزت ذلك الدور؛ فساهمت في قياس مستوى ولائهم الوظيفي، فقلل تدخلها في عالم الوظيفة من عمليات الدوران الوظيفي؛ ما يوحي بأن دراسة علم البيانات المتمركز حول المورد البشري، سوف يُسهم مستقبلًا في تقدير فجوة المهارات، ورصد اتجاه السلوك البشري في علم الوظيفة، وربما يعمل ضمن نطاق التدخلات في توجيهه وتحسينه.

وربما ستكون صعوبة امتلاك البيانات الضخمة، وتوافر من يمتلكون مهارات التعامل معها، إحدى العقبات المحتملة، التي ربما تواجه علم الموارد البشرية وتقدمَّها المهني؛ إذ يشير تقرير ماكينزي 2011 إلى إمكانية مواجهة الدول، نقصًا فيمن يمتلكون “مهارات التحليل العميقة” Deep Analytical Skills ، يتراوح ما بين 140 ألف و190 ألف فرد.

أهمية امتلاك البيانات
تشير كل تلك الإرهاصات العلمية، إلى أهمية امتلاك البيانات، وتمركزها حول المورد البشري، وقيمتها الاقتصادية والعلمية، بالرغم من أنها تشكل تحديًّا على المستوى المؤسسي قيميًّا وسلوكيًّا؛ إذ يتطلب عصر البيانات استثمارها في بناء الاستراتيجية المؤسسية، بشرط أن تكون عمليات الموارد البشرية ضمن ركائزها الأساسية، والتي أبرزها: استبقاء الموظفين ومعايير مغادرتهم، ورصد أولويات الترشيح للتعيين في المراكز القيادية، وكيفية استقطابهم، والاحتفاظ بهم؛ ما يعني أن الاتجاه العالمي بممارساته الفعلية، ركّز على أهمية بيانات الموارد البشرية وقيمتها المتنامية من أي وقت مضى؛ إذ يؤكد تقرير وحدة المعلومات الاقتصادية أن 82% من المؤسسات تخطط لبدء أو زيادة استخدام البيانات الضخمة في الموارد البشرية؛ ما أدى إلى استنباط ما يسمى بـ”الموارد البشرية الذكية القائمة على البيانات”.

الأهداف الاستراتيجية
هذا يعني أنَّ البيانات قد لعبت دورًا حيويًّا ونشطًا في إدارة عمليات الموارد البشرية بشكل واسع بينما كانت في السابق تنطوي على سياق تحليل بيانات الموارد البشرية في شكل مؤشرات أساسية، تقيس العوامل المجردة الكمية؛ مثل: حالات التغيب، أو عدد الموظفين في وحدة ما، أما الآن فقد أصبحت تلعب دورًا رئيسًا وحيويًا وفريدًا من نوعه، في بناء الرؤى البشرية المهمة لكفاءة الأعمال، وفعالية العمليات، بل تجاوزت ذلك للتأثير على أداء المنظمة؛ ما جعل تأثيرها كبيرًا على تحقيق الأهداف الاستراتيجية لتلك المنظمة.

التغذية الراجعة
هناك نكهة قوية لعلم البيانات في عالم الموارد البشرية، حول تفعيل محتوى حلقات التغذية الراجعة داخل المؤسسة؛ كمدخل لاستثمار البيانات المتمركزة حول البشرية؛ إذ فتحت آفاقًا واسعة نحو تنمية المهارات المؤسسية الناعمة على مستوى الشخصية الوظيفية، والثقافة التنظيمية، والتعلم التنظيمي والجمعي، والتطوير والتحسين المستمر، ومشاركة الموظفين.

هذا يعني أننا وصلنا في تلك المؤسسات، إلى مستوى الإضافة العميقة ببعديها القيمي والأدائي، على مستوى الفرد والقيادة، وذلك من خلال إدارة الأفراد الذكية القائمة على البيانات، واستشعار حاجاتهم ودوافعهم المهنية، واتجاهاتهم الوظيفي، والعمل على تخطيط الموارد البشرية من خلال تلك البيانات.

نجاحات عديدة
وعلى مستوى إدارة الأعمال، هناك نجاحات عديدة؛ مثل نجاحات شركة Google، التي اكتشفت من خلال قراءة بيانات الموارد البشرية، ارتفاع معدل الدوران، وضعف مستوى رضا الموظفين، فعملت على مجموعة ابتكارات؛ مثل: تقديم عطلات مدفوعة الأجر، أو تقديم وقت محدد للراحة أثناء النهار”؛ ما انعكس إيجابيًا على قراءة مؤشرات البيانات، وتحسُّن مستوى معدل الدوران للطبيعي؛ ما جعلها ضمن أفضل الشركات العالمية.

تأسيسًا على ما سبق، وفي ضوء ما قُدم في علم الإدارة والبيانات، تزداد أهمية البيانات المتمركزة حول العنصر البشري؛ كدافع رئيس للنجاح، حتى مع وجود ما يُسمَّى بالذكاء الصناعي؛ كونها من الأصول الهامة التي ينبغي تجويد أدواتها، وطرق جمعها، ومهارات تحليلها، وتوجيه بوصلة الرعاية والاهتمام نحوها، واستثمارها بالشكل الذي يحقق أهدافنا الاستراتيجية، ولكي تعلم مؤسساتنا أنَّ نهج الموارد البشرية، ليس حالة مستقرة، بل إنَّه ماضٍ في التغيير.

 

د. خالد بن حسين العسيري

مدير مبادرة التحول الوطني بوزارة التعليم السعودية

الرابط المختصر :

عن د. خالد بن حسين العسيري

استشاري التخطيط والمؤشرات الاستراتيجية· دكتوراه الفلسفة في الإدارة التربوية والتخطيط من جامعة أم القرى عام 2016م· المدير التنفيذي لمبادرة التحول الوطني 2020(تطوير استراتيجية وطنية لرفع قيمة مهنة التعليم).· مدير تنفيذي لمبادرة برنامج التحول الوطني "تطوير استراتيجية وطنية لرفع قيمة مهنة التعليم" إحدى برامج رؤية 2030.· أمين تطوير برامج إعداد المعلم بالجامعات السعودية· مدير إدارة مكاتب التعليم بوكالة وزارة التعليم السعودية· عضو استشاري في فريق عمل لجنة تخطيط التعليم الأهلي بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض عام 2017.· حصل على برنامج مكثف في تصميم برامج الدراسات العليا من كلية الدراسات العليا التربوية بجامعة هارفارد كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكية.· حصل على برنامج بناء المؤشرات الاستراتيجية من جامعة جورج واشنطن.· ترأس العديد من اللجان والمشروعات التعليمية بوزارة التعليم أبرزها رئيس اللجنة الوزارية لمشروع التقويم الهرمي المتنوع للقيادات الإدارية التربوية.· خبير تربوي بالمركز التربوي للتنمية المهنية بوكالة الشؤون التعليمية بجامعة الملك سعود لعام 2017.· عضو اللجنة المركزية الوزارية لتخطيط استراتيجية التنمية المهنية للمعلمين.· عضو لجنة تحكيم الأدلة المهنية بمكتب التربية العربي لدول الخليج.· عضو تأسيس اللجنة الفرعية لمشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم.· عضو إعداد الخطة الاستراتيجية لتطوير الشبكات العالمية لبرنامج جلوب بكندا لعام 2010م.· عضو لجنة بناء المعايير المهنية للقيادات المدرسية بالمركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي عامي (2016) و (2017). عضو لجنة تحكيم الكفايات المهنية للقيادات المدرسية بالمركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي عامي (2016) و (2017).

شاهد أيضاً

احذر.. هذه أسباب فشلك الوظيفي

احذر.. هذه أسباب فشلك الوظيفي (2/2)

يحتاج النجاح الوظيفي إلى بذل مجهود دون كلل أو ملل، والطموح الكبير، والكثير من العزيمة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.