طورت مقاييس إشعاع لعلاج السرطان بالتعاون مع مستشفى الملك فيصل

حوار: جمال إدريس

لم يزده نبوغه وتميزه العلمي، إلا تواضعًا وسعيًا لاكتساب مزيد من المعارف، فلا يتحدث عن إنجازاته العلمية واختراعاته التي نال عنها براءات اختراع من أمريكا وأوروبا، إلا بصيغة الجمع؛ للإشارة إلى أعضاء فريق العمل الذين يعاونونه في مسيرة النجاح.. إنه الباحث النووي بروفيسور أحمد علي بَصْفَر، الذي حصل على الدكتوراة في الهندسة النووية، وتحدث عن تجربته البحثية الطويلة التي كُلّلت بعدد من براءات الاختراع المهمة، والتي كان آخرها تطوير صناعة الكابلات المتقدمة المقاومة للاحتراق..

*بم تقدم نفسك للقراء؟

– أحمد علي عبد الله بَصْفَر، حاصل على دكتوراة في الهندسة النووية من جامعة ميريلاند الأمريكية. انضممت بعد تخرجي لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وعملت بها كباحث لمدة 22 عامًا بمعهد بحوث الطاقة الذرية. وخلال هذه الفترة، عملت من خلال مشاريعي البحثية على عدة اتجاهات؛ منها تطوير المواد البوليمرية بالإشعاع، وتطوير مواد لقياس الإشعاع الصناعي، علاوة على مجالات حماية البيئة باستخدام الإشعاع، وحفظ الأغذية بالتشعيع.

كذلك، نفذت عدة مشاريع لقطاعات صناعية؛ مثل أرامكو، وسابك، فضلًا عن مشاريع تعاون دولي مع معهد فرنسي، وآخر ألماني.

وخلال هذه السنوات الطويلة في الجهود البحثية، توصلت إلى نتائج كثيرة، نتج عنها عدد كبير من براءات الاختراع من عدة مكاتب؛ منها المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع، والمكتب الأوروبي، والمكتب السعودي، تدور جميعها حول الاهتمامات البحثية التي ذكرتها لك.

الهندسة النووية

*كيف بدأ شغفك بالعلوم والاختراعات؟

– اهتمامي بالعلوم وشغفي بها بدأ في المرحلة الثانوية؛ إذ كنت أحلم دائمًا بأن أصبح عالمًا نوويًا في المستقبل. وبالفعل، التحقت بالمسار العلمي وتفوقت فيه، فبعد المرحلة الثانوية أيقنت بأنني لا أستطيع دراسة أي تخصص آخر سوى الهندسة النووية؛ ما اضطرني للسفر إلى الولايات المتحدة لدراستها، فحصلت على البكالوريوس، ثم الماجستير، ثم الدكتوراة في الهندسة النووية.

كابلات صديقة للبيئة

 

*يقولون “الحاجة أم الاختراع”، فما الحاجة لاختراعك في صناعة الكابلات المتقدمة؟

– الكابلات تقنية متقدمة ومعقدة جدًا، تصنع بعدة أساليب. وهناك احتياج لنوع خاص من الكابلات؛ مثل التي تستخدم في صناعة الطائرات والقاطرات والسيارات؛ إذ تستخدم مواد أساسية متقدمة، وتأتي بمواصفات خاصة ولا تُنتج في المملكة ولا في أي دولة عربية. وقد وجدت أن هناك حاجة لتطوير نوع خاص من الكابلات المقاوِم للاحتراق، فمعظم الوفيات التي تسببها الحرائق التي تنشب بالمباني، سببها الاختناق بالدخان السام الناتج عن حرق الكابلات؛ إذ حيث يحتوي العازل البلاستيكي للكابلات على غازات سامة جدًا؛ مثل الرصاص والكبريت ومادة الأنتيموني وغيرها. لذلك، وجدت أن هناك حاجة لتطوير كابلات آمنة وصديقة للبيئة، تحمي الإنسان وتمنحه فرصة لإخلاء المبنى عند الحريق، دون أن يتعرض للاختناق والوفاة.

بدأنا هذا المشروع الكبير بالتعاون مع معهد لأبحاث فرنسي متخصص، واستمر عملنا معًا ثلاث سنوات، استهدفنا خلالها كيفية تصنيع هذه المنتجات، وكيف يمكن أن تستفيد مصانع الكابلات الموجودة من هذا الاختراع، وتقوم بتطبيقه.

أربع براءات اختراع

* ما هي التحديات التي واجهتك حتى حصلت على براءة الاختراع من أمريكا؟

– توصلنا من خلال مشروع الكابلات هذا، إلى أربع براءات اختراع، صدرت جميعها من مكتب البراءات الأمريكي. وكان التحدي الأكبر أمامنا؛ هو إعداد الوثيقة باللغة العلمية الضرورية لمكتب براءات الاختراع؛ لذلك وفرت لنا إدارة مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، مركزًا لدعم الابتكار، يحصل على المعلومات من المخترعين ويعطيها لمكتب متخصص لصياغتها؛ إذ تلعب الصياغة والإعداد دورًا هامًا في قبول البراءة، ولاسيما في المكاتب الدولية، علاوة على أن تكلفتها عالية جدًا. ولولا توفر مثل هذا المكتب- الوسيط بين المخترع ومكتب البراءات- ما استطعنا إعداد المواصفات بالشكل المطلوب، لكننا أعددناها بلغة علمية، فيما أعدها المكتب المتخصص بلغة قانونية تناسب مكتب براءة الاختراع. بعد ذلك، تقدمنا ببراءة الاختراع التي لم يكن قبولها سهلًا؛ إذ استغرق نحو سنتين، من 2012م إلى 2014م، وكان بإحدى البراءات جوانب بيئية متقدمة، فتم اعتمادها في أقل من سنة، وهو زمن قياسي؛ وذلك لأن الاختراع كان يهدف إلى حماية البيئة، وكان به تطوير لمنتج صديق للبيئة، وكان المكتب الأمريكي حينها يعطي ميزة للبراءات المقدمة في هذا المجال، ويتعامل معها بسرعة أكبر. بينما استغرقت البراءات الثلاث الأخرى سنتين للحصول عليها؛ إذ كانت تعالج أساليب مختلفة من تصنيع الكابلات، كيميائيًا وإشعاعيًا.

 

وقد شاركت بتلك الاختراعات في معرض الابتكار الأول في العام 2014م، وحصلت على جائزة أفضل براءة اختراع في المملكة العربية السعودية، من بين عدد من الاختراعات، بعد قيمتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية “وايبو”، كما حصلنا على جائزة مالية كبيرة من خادم الحرمين الشريفين؛ الملك عبد الله رحمه الله.

التنسيق مع “بادر”

*هناك عدد كبير من اختراعات شباب سعوديين موهوبين، لكنها لا تجد طريقها للتطبيق، فما السبب؟

– بالنسبة لي، فقد حاولت واجتهدت في استثمار اختراعي، وتواصلت مع شركات الكابلات السعودية، وعرضت عليهم براءة اختراعي؛ حتى وافقت إحدى أكبر شركات الكابلات بالمملكة، على الاستثمار في هذا الاختراع وتطبيقه، فوقعنا معها اتفاقية سرية معلومات وتم ذلك بالتنسيق مع مركز “بادر”، فقمنا بتزويد الشركة بالتفاصيل العلمية للاختراع ودعمناها بالمعلومات، حتى يكون هناك إنتاج على أرض الواقع.

ولكن- للأسف- لم تُكلل تلك الجهود بالنجاح؛ بسبب الجدوى الاقتصادية للاختراع؛ إذ كان يتطلب تمويلًا هائلًا يبلغ نحو خمسين مليون ريال. وربما رأت الشركة أنه لا يوجد ما يبرر ذلك.

وكان هناك أيضًا عائق آخر؛ وهو عدم وجود سوق لهذا الاختراع؛ إذ يستخدم هذا النوع من الكابلات في صناعة الطائرات والقاطرات والسيارات، والأجهزة الإلكترونية والحاسبات.

وقد أوضحت لي الشركة بأن السوق السعودي لا يتطلب هذا النوع من المنتجات، وأنها لا تستطيع منافسة الأسواق الأوروبية والأمريكية واليابانية.

النطاق التجريبي

وهل ينسحب ذلك على كل الاختراعات؟

بالفعل، تنطبق مثل هذه العوائق على كثير من براءات الاختراع السعودية، علاوة على عامل آخر؛ وهو أن كثيرًا من المخترعين تكون دراستهم للاختراع غير مكتملة، فتكون لديهم الفكرة ويحصلون على براءة الاختراع، ولكن هناك خطوة مهمة ما بعد الاختراع؛ وهي التجربة شبه التجارية أو “النطاق التجريبي”، فبعد النجاح على مستوى المختبر تحتاج لتجربة اختراعك على نطاق أوسع، مع زيادة كمية الإنتاج إلى مستوى شبه تجاري؛ وهو ما لا تحققه كثير من الاختراعات، فيما يُعرف بـ”مرحلة التطوير”.

لذلك، يحتاج المخترعون إلى جهات تتبنى تطوير اختراعاتهم؛ ومن ثم إقناع رجال الأعمال والصناعة بتبنيها. وقد حاولت الحكومة التغلب على هذه العوائق بتأسيس شركة تقنية؛ وهي شركة حكومية تقوم بدور الوسيط بين المخترع ورجال الأعمال والصناعة، وحاولت تسويق عدد من المنتجات، لكن لا يزال أمامها الكثير لتحققه.

وبصورة عامة، أقول إن 10 % فقط من براءات الاختراع على مستوى العالم، تجد طريقها إلى التطبيق والصناعة، فليس كل اختراع يجد طريقه للصناعة.

علاج السرطان

*ماذا عن أبرز اختراعاتك الأخرى؟

– من أهم اختراعاتي، تطوير مقاييس للإشعاع لعلاج الأمراض السرطانية، الذي أنجزته بالتعاون مع مستشفى الملك فيصل التخصصي، ويهدف إلى تطوير مواد ثلاثية الأبعاد تشبه خلايا الجسم لتتفق معها؛ إذ نخطط لعلاج الأمراض السرطانية، بعد أن طورنا هذه المادة وأخذنا عنها براءة اختراع أوروبية وأمريكية.

ويهدف هذا الاختراع إلى تخطيط كمية الجرعة الإشعاعية التي تُعطى للورم السرطاني، والتأكد من توزيعها في موقع الورم؛ وبذلك يتم تعريض المريض للجرعة المناسبة وبتخطيط سليم.

وقد أنتجنا من هذه المادة كميات صغيرة، وطبق الاختراع عمليًا، مستشفى الملك فيصل التخصصي. وبعد التجربة الإكلينيكية للمنتج، نسعى لتسويقه محليًا وخارجيًا؛ لاستخدامه في تخطيط العلاج الإشعاعي للأورام السرطانية؛ ما يُعد إنجازًا علميًا، نتمنى أن يجد طريقه للتطبيق.

*ما مدى خطورة الإشعاع على جسم الإنسان عمومًا؟

– الإشعاع طاقة نادرة ذات حدين؛ سلبي وإيجابي، ونحن في أعمالنا البحثية نستخدم الحد الإيجابي بحيث نعرّض المنتجات البوليميرية، والبلاستيكية، والعينات البيئية، والغذائية، إلى جرعات محدودة لا تضر بجودة المنتج، وفي نفس الوقت تحسّن من خواصه.

وهناك إجراءات سلامة نتخذها كباحثين في هذا المجال عند استخدامنا الإشعاع، فهناك أدوات لقياس الإشعاع، وملابس خاصة تحمي منه، وأيضًا الأجهزة مصنوعة بطريقة يكون استخدامها آمنًا، فالإشعاع بصورة عامة له مخاطر كبيرة على المستوى البحثي والتطبيقي، وتعرُّض الإنسان له بطريقة غير منظمة يقود إلى خسائر في الأرواح وإصابات مرضية، فضلًا عن أن الإصابة بالسرطان قد تكون نتيجة للتعرُّض للإشعاع، فهو يعالج أورام السرطان، وقد يكون أيضًا سببًا لها، وهنا تكمن خطورته.

 

 الجوال وأمراض الدماغ

*هل هناك خطورة لموجات الهواتف وأبراج الاتصالات، وغيرها من الأجهزة التي نستخدمها يوميًا؟

– هذا النوع من أشعة الراديو والمايكرويف وأشعة الضغط العالي للأبراج، يُصنف ضمن الأشعة غير المُؤيّنة، بينما تُصنَّف الأشعة المُؤيّنة بأنها خطيرة.

فالنوع الأول أضراره محدودة جدًا، ولا توجد أبحاث علمية تثبت أنَّ لموجات الجوال أو الراديو أو أبراج الاتصالات، تأثيرًا على صحة الإنسان، فكل ما يتردد قد يكون مجرد توقعات وأوهام من المجتمعات المختلفة، فالأبحاث العلمية في جميع الدول أثبتت أنها لم تجد رابطًا بين استخدام الجوال وأمراض الدماغ والجسم عمومًا.

و”الأشعة المُؤيّنة” هي التي تستخدم في تشخيص الأمراض، على أن يكون التعرض لأشعة الصدر مقننًا. وأشير هنا إلى أن الأشعة المقطعية من أخطر أنواع الإشعاع؛ إذ توازي 500 ضعف أشعة الصدر؛ لذلك يجب عدم تكرارها في أوقات متقاربة، حتى لا تؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يسبب تراكمها ظهور أورام في الجسم.

* بماذا تنصح شباب المخترعين؟

– أقول لهم تحلوا بالصبر، فليس كل ما يتم ابتكاره هو اختراع، فالاختراع يتطلب خلفية علمية جيدة، ومختبرات وتجهيزات ومواد، صحيح قد تكون هناك أفكار مبتكرة لدى الطلاب، ولكن الاختراعات يجب أن تكون على أسس علمية، وتكون قابلة للتطبيق، وتكون لمنتجات مستهدفة، ولا بد للمخترعين من تحديد هدف البحث، وإجراء مسح شامل، ودراسة براءة الاختراعات السابقة في نفس المجال والأوراق العلمية؛ ومن ثم وضع خطة بحثية للوصول لهدف جديد والحصول على براءة اختراع، فباب الاختراع كبير؛ لذا نطمح إلى زيادة عدد المخترعين.

 

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

نايف العودة: تركتُ الوظيفة المرموقة لدراسة الفندقة.. وسعيد بكل ما حققته

ترك وظيفته المرموقة بإحدى كبرى الشركات العالمية؛ ليرضي شغفه بمجال الفندقة والمطاعم، فاتخذ طريقًا مختلفًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.