الاستثمار في البنية التحتية التنظيمية

قليل من رواد الأعمال يبدأون بإستراتيجية واضحة جيدة وخطة بناء منظمة قادرة على تحقيق هذه الإستراتيجية. وفي الواقع فإن معظم المشاريع الناشئة التي لا تمتلك منظومة تحكم رسمية أو آليات صناعة قرار، أو أدوارا واضحة للموظفين من الصعب تسميتها منظمات، فمؤسسوا هذه المشاريع يرتجلون ويقومون بأغلب المهام الحيوية بأنفسهم ويصنعون القرارات أثناء ذلك.

اللامنهجية أمر مقبول طالما لا يهتم رواد الأعمال ببناء مشروع كبير ومستدام. لكن فور أن يصير ذلك هدفهم يكون عليهم بناء أنظمة وآليات منهجية، فمثل هذه البنية التحتية التنظيمية هي ما تتيح للمشروع أن ينمو، لكنها في الوقت ذاته تزيد النفقات العامة وقد تبطئ عملية صناعة القرار. ما هو إذاً حجم البنية التحتية الكافي؟ ومتى تصبح زائدة عن الحد؟؛ كي يتوافق الاستثمار في البنية التحتية مع متطلبات إستراتيجية المشروع، فعلى رواد الأعمال التفكير في الدرجة التي تعتمد بها إستراتيجياتهم على الآتي:

تفويض المهام: مع نمو المشروع الناشئ يحتاج مؤسسوه في الغالب إلى تفويض الكثير من المهام التي اعتادوا القيام بها. ولحمل الموظفين على أداء المهام بكفاءة وجدية، فعلى المؤسسين وضع آليات لمراقبة الموظفين بجوار إجراءات وسياسات تشغيل محددة. ولننظر إلى هذا المثال المتطرف، “Randy and Debbi Fields”، حيث يقومون بنقل مهاراتهم ومعرفتهم من خلال برنامج حاسوب في شركة يعلّم الموظفين في كافة متاجر “Mrs. Fields Cookies” كيف يصنعون الكعك الصغير ويديرون العمل. يحلل البرنامج البيانات كظروف الطقس المحلى وأي يوم في الأسبوع هو اليوم الحالي؛ كي يصدر تعليمات كل ساعة حول أمور مثل أي نوع من الكعك يتم خبزه؟ ومتى يتم تقديم عينات مجانية، ومتى يتم طلب شراء رقائق الشوكولاتة؟.

لكن على الجانب الآخر قد يخنق تعليم الموظفين كيف يؤدون مهامهم، روح المبادرة لديهم، والشركات التي تطلب من موظفي الصف الأول التصرف بسرعة وحنكة قد تقرر التركيز أكثر على النتائج وليس السلوك، وتستخدم أنظمة ضوابط تحدد أهداف الأداء للموظفين وتقارنها بالنتائج وتقدم حوافز ملائمة.

تخصيص المهام: في المشاريع الناشئة الصغيرة يفعل الجميع القليل من كل شيء لكن مع نمو المشروع وسعيه لتحقيق وفورات الحجم والمجال، يجب أن تُوكَل أدوار محددة وواضحة للموظفين، وأن يُقسّموا إلى وحدات ملائمة تنظيمياً، فعلى سبيل المثال قد يتحول موظف يقوم بجميع المهام في ورشة العمل إلى مشغل ماكينة وعضو في وحدة تصنيع. وعلى تخصيص المهام أن يحقق التكامل من خلال إيجاد منصب المدير العام الذي ينسق مهام التصنيع والتسويق، أو من خلال الأنظمة المُصَممة لقياس ومكافأة الموظفين على التعاون متعدد الوظائف. إن آليات التكامل المتواضعة هي غالباً ما تكون السبب وراء فشل التوسعات الجغرافية، والتكامل الرأسي، وتوسيع خطوط الإنتاج والإستراتيجيات الأخرى التي تحقق وفورات الحجم والمجال.

حشد التمويل من أجل النمو: المشاريع ذات العجز المادي التي تحاول النمو تحتاج إلى أنظمة جيدة لتوقع ومراقبة توافر التمويل، وغالباً ما ترفض مصادر التمويل الخارجية كالبنوك تقديم تمويل لشركات ذات أنظمة ضوابط و/أو بنية تحتية تنظيمية ضعيفة.

سجل الأداء: إذا كان رواد الأعمال يأملون في بناء شركة يستطيعون بيعها فعليهم الاستعداد مبكراً. فأسواق الأسهم والمستحوذون عليها يرغبون في رؤية تاريخ ممتد من السجلات المالية والضوابط المحفوظة جيداً؛ كي يطمئنون إلى صلابة المشروع.

عندما لا يتوقف رواد الأعمال عن التفكير في وضع ثقافة لشركاتهم، تطّور شركاتهم ثقافة ارتجالية وليس ثقافة ناشئة عن تخطيط وتصميم.

هل أستطيع أداء دوري؟ رواد الأعمال الطامحون لإدارة مشاريع صغيرة يقومون فيها بأداء جميع المهام الحاسمة ليسوا مجبرين أبداً على تغيير أدوارهم. فعلى سبيل المثال، في شركات الخدمات الشخصية غالباً ما يؤدي الشركاء المساهمون الأعمال للعملاء من لحظة تأسيس الشركة وحتى تقاعدهم. لكن على الجانب الآخر، فتحويل مشروع وليد إلى كيان قادر على الوجود بشكل مستقل يتطلب أن يأخذ المؤسسون أدواراً جديدة.

لا يستطيع المؤسسون بناء منظمات ذاتية الاستدامة ببساطة عبر التخلي عن مهامهم. فقبل أن يحظى رواد الأعمال بخيار العمل الأقل يجب عليهم أولاً العمل بجهد أكبر، فإذا كان نموذج العمل غير مستدام فعليهم إيجاد آخر جديد، ولتأمين الموارد التي تتطلبها الإستراتيجية الطموحة فعليهم الإلمام بمفاهيم مزودي الموارد: العملاء والموظفون والمستثمرون المحتملون. ولبناء مشروع قادر على العمل بدونهم فعلى رواد الأعمال تصميم أنظمة والمنظمة وهيكلها وتشكيل ثقافتها وشخصيتها.

وأثناء رسمهم رؤية موسعة للمستقبل، على رواد الأعمال أيضاً التعامل وكأن الشركة على حافة الانهيار عبر إحكام قبضتهم على النفقات ومراقبة الأداء. عليهم إلهام الموظفين وتدريبهم في الوقت نفسه الذي يضطرون فيه إلى فصل من لا يستطيع النمو مع الشركة. يذكر بيل ناسي الشريك المؤسس لـ “Da Vinci Systems Corporation” منتجة البرمجيات أن فصل الموظفين الذين “ناضلوا وبكوا وضحوا مع الشركة” كان أصعب شيء أضطر للقيام به في حياتي.

عدد قليل جداً من رواد الأعمال الناجحين وصلوا إلى القيام بدور ملهم فقط في منظماتهم، فهم يظلون دائماً مشاركين في ما أسماه إبراهام زالزنيك أستاذ القيادة الفخري اللامع في كلية هارفارد للأعمال بـ “العمل الحقيقي” في مشاريعهم. فقد استمر مارفن بوير الشريك المؤسس لـ “McKinsey & Company” في التفاوض وتوجيه الدراسات للعملاء في الوقت ذاته الذي كان يقود فيه الشركة إلى توسع مهم في الحجم والنطاق الجغرافي. كما يُقال: إن بل جيتس الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “Microsoft” التي تساوي عدة بلايين من الدولارات لا يزال يراجع بنفسه الرموز التي يصممها المبرمجون.

لكن دور المؤسسين يجب أن يتغير، فجيتس لم يعد يصمم برمجيات الآن. ويرى مايكل روبرتس الخبير في ريادة الأعمال أن دور رائد الأعمال يجب أن يتطور من أداء العمل إلى تعليم الآخرين كيفية أدائه، ثم إلى تحديد النتائج المطلوبة، وأخيراً إلى إدارة السياق المجمل الذي يجب أن يتم العمل بداخله، ويتحدث أحد رواد الأعمال عن التحول من ظهير ربعي إلى مدرب. لكن أياً كان التشبيه فالفكرة أن القادة دائماً ما يبحثون عن تأثير متزايد أياً كان ما يقومون به. وهم يحققون ذلك على سبيل المثال من خلال التركيز على صياغة إستراتيجية تسويق عوضاً عن التركيز على البيع، وعلى التفاوض ومراجعة الموازنات عوضاً عن أعمال الإشراف المباشر، وعلى تصميم خطط التحفيز عوضاً عن تحديد أجور ومكافآت الموظفين بشكل فردي، أو التركيز على التفاوض بخصوص الاستحواذ على شركات عوضاً عن التفاوض حول تكلفة مستلزمات المكاتب، وعلى تطوير هدف مشترك وقيم تنظيمية عوضاً عن بيع المنتجات.

وبخصوص تقييم دورهم الشخصي، على رواد الأعمال أن يسألوا أنفسهم إن كانوا يختبرون باستمرار مهام ومسؤوليات جديدة. فالمؤسسون الذين يقضون المزيد من الساعات في أداء المهام ذاتها واتخاذ القرارات نفسها مع نمو المشروع ينتهي بهم الأمر إلى إعاقة النمو. عليهم أن يسألوا أنفسهم إن كانوا قد اكتسبوا أي مهارات جديدة أخيرا، فرائد الأعمال المهندس على سبيل المثال قد يصبح خبيراً في التحليل المالي، وإن لم يستطع المؤسسون الإشارة إلى المهارات الجديدة فهم على الأرجح محشورون في خندق وأدوارهم لا تتطور.

على رواد الأعمال أن يسألوا أنفسهم: هل هم بالفعل يرغبون في التغير والتعلم؟. فالأشخاص الذين يستمتعون بخوض تحديات جديدة واكتساب مهارات إضافية -مرة أخرى، مثل بل جيتس- يستطيعون قيادة مشروع من البداية وحتى الهيمنة على السوق، لكن بعض الأشخاص مثل هـ. وين هويزنجا الروح المحركة وراء “Waste Management” و”Blockbuster Video” يكونون أكثر سعادة بالانتقال وإطلاق مشاريع جديدة. ولدى رواد الأعمال مسؤوليات تجاه أنفسهم والأشخاص المعتمدين عليهم لفهم ما يرضيهم أو يحبطهم على الصعيد الشخصي.

نبتت الكثير من المشاريع العظيمة من بدايات متواضعة ومُرتَجلة. فقد حاول ويليام هيوليت وديفيد باكارد صناعة مؤشر للمخالفات في مجرى لعبة البولينج وأداة لضبط الهارمونيكا قبل بناء أول منتجاتهم الناجحة، مذبذب الصوت. وبدأ سام والتون مؤسس متاجر “Walmart” بشراء حق الامتياز في متجر متنوع متواضع المستوى في نيوبورت في أركنساس لأن زوجته أرادت العيش في مدينة صغيرة. وكانت الاستجابة السريعة والتجربة والخطى أكثر أهمية لتلك الشركات في مرحلة البداية من التوقع والتخطيط. لكن الارتجال الصرف -أو الحظ- نادراً ما ينتج نجاحاً على المدى الطويل. فربما كانت “Hewlett-Packard” ستبقى مؤسسة مجهولة إن لم يتخذ مؤسسوها في نهاية المطاف قرارات حكيمة بخصوص خطوط الإنتاج، والإمكانات التقنية، وسياسات الديون، والقيم التنظيمية.

غالباً ما يتجنب رواد الأعمال بانحيازهم القوي للمبادرة، التفكير في القضايا المهمة كالأهداف، والإستراتيجيات والإمكانات. لكن عليهم عاجلاً أم آجلاً أن يدمجوا تلك الأسئلة بوعي في شركاتهم وحياتهم. فالنجاح المستدام يتطلب من رواد الأعمال الاستمرار في طرح أسئلة حازمة عن مقصدهم، وإن كان مسارهم الحالي سيأخذهم إليه أم لا.

الرابط المختصر :

عن امار بهايد

شاهد أيضاً

مستقبل سوق العمل السعودي

مستقبل سوق العمل السعودي.. رؤى استراتيجية وتفكير منهجي

من الواضح أن مستقبل سوق العمل السعودي سيكون مختلفًا كليًا عن الماضي والحاضر على حد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.