الإيثار على النفس.. من شيم العقيلات

مكارم أخلاقهم.. خلقت قصصاً تقص على أبنائهم تذكيراً بالوفاء والصدق والإيثار

بقلم: عبداللطيف الوهيبي

باحث في شؤون العقيلات

العقيلات رجال من رجال القصيم تكبدوا المشاق وسطروا مسيرة عطرة خلدت ذكراهم في نفوس أهالي الجزيرة العربية والوطن العربي لما اتصفوا به من شجاعة وإقدام وصبر على مشاق الأسفار، حيث كان لهم الأثر الكبير بعد الله في ازدهار التجارة. فكان رجال العقيلات عندما يجوبون الصحاري على ظهور جمالهم ليصلوا إلى بلاد الشام وإلى العراق ومصر ليزاولوا التجارة مع إخوانهم أبناء تلك البلدان, كانوا يحملون معهم الأخلاق العربية الأصيلة التي يعاملون بها الناس, فكسبوا منهم الاحترام والحب والتقدير, وكانوا يتعاملون بعضهم مع بعض بشهامة وحسن خلق وإيثار على النفس؛ فهم عرب من أصلاب عرب، والإيثار على النفس أمر اشتهر به العرب منذ القدم, فهذا عنترة بن شداد الجاهلي يقول في معلقته مخاطباً حبيبته عبلة:

يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنمِ فلما جاء الإسلام أيد هذه الخصلة الكريمة, وحث عليها كما في قوله تعالى في الثناء على الأنصار رضي الله عنهم: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). ( )

وبما أن العقيلات هم أحفاد تلك العرب وعاشوا في تلك المناطق، فإن تلك الأخلاق متأصلة فيهم, خصوصاً أن مهنتهم تتطلب ذلك فهم في أمس الحاجة إليها, ومن صور ذلك ما يلي:

في عام 1328هـ أعطى أحد التجار في دمشق اثنين من العقيلات بضاعة نقوداً لشراء الإبل والتجارة بها، وكانت النقود ذهباً وموضوعة في كمارين مفرده كمر وهو (حزام من القماش الأحمر وفي كل حزام ألف جنيه ذهب).

خرج الاثنان من دمشق على راحلتين قاصدين الجزيرة شمال الشام لشراء الإبل وفي الطريق نزلا عن الراحلتين للراحة, ووضع كل منهما أمتعته عن راحلته وحزامه فوق المتاع, وذهب واحد منهما لجمع الحطب وتجهيز الغداء، والثاني أخذ الراحلتين إلى المرعى وقيدهما.

فلما عاد الأول ومعه بعض الحطب فوجئ بأن (نسراً كبيراً) قد انقض على متاع صاحبه وأخذ الحزام بين مخالبه ظاناً منه أنه فريسة, وطار بعيداً, فرأى هذا المنظر بعينه, فماذا يقول لصاحبه, لا شك أنه لن يصدق هذه الرواية، وبينما هو شارد في أفكاره طرأت عليه فكرة, فجرى مسرعاً وأخذ حزامه هو من متاعه ووضعه على متاع صاحبه, فقد وجد أن هذا العمل هو الحل الوحيد.

ثم أوقد النار, وبدأ في تجهيز الغداء, وكأن شيئاً لم يحدث, وعاد الثاني بعد أن اطمأن على الراحلتين وجلسا يتسامران, أكلاً وشرباً, فقام الأول بإحضار الراحلتين بينما صاحبه يسأله عن سر هذا التعجيل, فبادره بقوله: إني استخرت الله على السفر, وسوف أعود, فحاول صاحبه أن يثنيه عن عزمه, لكن الرجل صمم وجهز راحلته وودعه عائداً من حيث أتى, وشرد بأفكاره, ماذا يقول للتاجر صاحب (البضاعة) الذي لن يصدقه في روايته, فعدل عن فكرة السفر إلى دمشق, لئلا يكون عرضة للقيل والقال فذهب إلى عمان ليبحث عن وسيلة أخرى لطلب الرزق والوفاء بالتزاماته.

أما الآخر فقد بقي في مكانه مذهولاً مندهشاً من تصرفات صاحبه الذي جهز راحلته, وبعصبية تناول الحزام وربطه حول وسطه بقوة, ولم يلحظ أن الحزام ضيق؛ لأن صاحبه كان أنحل منه عوداً, لكنه لم يعر ذلك انتباهاً, فركب راحلته مواصلاً رحلته, وعلى بعد خطوات من مقامهم, رأى شيئاً ما لفت نظره, فاتجه إليه ليجد حزاماً أحمر على أحد الأشجار فتناوله بعصاه وهو على ظهر الراحلة وتفحصه جيداً ولفه حول وسطه فإذا هو مقاسه نفسه الذي لبسه أول مرة, وتعجب من الأمر, فأناخ الراحلة ليتفقد ما بداخله وإذا به يجد المبلغ نفسه!!

بدأت الوساوس والأفكار تزدحم في رأسه, ما قصة هذا الحزام, وما هو سر وجوده بعيداً وعلى هذه الشجرة, وما هو سر رحيل صاحبه المفاجئ, الذي لم يأت بشيء مقنع يبرر به هذا التصرف, لابد أن هناك سراً يجهله, هل يعود للبحث عن صاحبه أم يواصل رحلته؟!

عاد ليجرب ربط الحزام الذي وجده في متاعه فأحس أنه ضيق عليه وجرب الثاني فوجده مناسباً عليه, إذاً فهذا الحزام يخص صاحبه, فحزم أمره على مواصلة السفر وإنجاز مهمته, ووضع الحزام الغريب في (خرجه) ووصل إلى الجزيرة وبدأ يشتري الإبل, وكلما اشترى عشرة من الإبل وضع (وسمه) على خمسة (ووسم) صاحبه على الخمسة الأخرى, واشترى رعيتين من الإبل واحدة تخصه, والثانية لصاحبه جهزهما بالرعيان والملاحيق, وعاد إلى سوريا وفي دمشق بحث عن صاحبه فلم يجده, ولم يستطع أن يبوح لأحد عن هذا السر, لقد سافر الاثنان معاً وخشي أن يتهم ولكنه استمر على وضعه حتى يتبين خبر صاحبه.

وصرف بعض الإبل في دمشق, وسافر بالباقي إلى فلسطين, وكل من سأله عنه يقول: إنه سبقني إلى فلسطين, وفي سوق اللد أدخل الإبل مع رعيانها إلى أحد (الأحواش) وذهب إلى بيت صالح الفالح, وهو من وكلاء العقيلات في اللد, ودخل البيت ليجد صاحبه أمامه يرتدي ملابس رثة, فأخذه من يده وفي أحد المقاهي سأله عن سر عودته المفاجئة! وحاول هذا التملص من الإجابة لكن الرجل ألح عليه في أن يقول الصدق, فسرد عليه القصة وما حدث عندما رأى النسر ينقض على الحزام, وكيف تصرف, وقال له: قد لا تصدق هذه الرواية, لكنها هي الحقيقة! وطيب الرجل خاطره, وأفهمه بأنه عثر على حزامه, وأنه اشترى بما يحويه من نقود رعية من الإبل صرف بعضها, ولا يزال البعض معه في السوق، فأخذه إلى أحد المحال واشترى له ملابس تليق بشريكه الذي آثره على نفسه, وعادا إلى سوق الإبل ليرتب مكاناً له ولصاحبه لبيع الإبل, وهكذا أعاد الحق إلى صاحبه وظلت هذه الرواية حديث العقيلات يقصونها على أبنائهم تذكيراً بالوفاء والصدق والإيثار. 

الرابط المختصر :

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

كرم عقيل

الكرم منقطع النظير في العقيلي بن عيسى الرميح من الصفات التي تميز بها العربي المسلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.