الإنسانية في زمن الفيروس

الإنسانية في زمن الفيروس

لم يكن جابرييل جارسيا ماركيز؛ الكاتب الكولومبي الراحل، يعلم عندما نشر رائعته El amor en los tiempos del cólera أو “الحب في زمن الكوليرا” عام 1985، أن العالم سيواجه معضلة جديدة من العيار الثقيل خلال العقد الثالث من القرن الـ 21، والتي يمكن أن تلخصها جملة واحدة؛ وهي: “الإنسانية في زمن الفيروس”.

كورونا” تلك الكلمة البسيطة التي بات ينطقها الصغير قبل الكبير، جعلت الجميع في حالة تأهب جماعي؛ حيث توحدت الإنسانية في مواجهة الوباء الذي أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية مؤخرًا.

الفيروس ليس فتاكًا

لا يُعتبر فيروس كورونا واحدًا من أكثر الأمور الفتاكة في المجتمعات؛ لا سيما مع وجود الكراهية، الظلم، الكذب، والنفاق، وغيرها من الصفات غير الحميدة التي تقضي على نقاء القلب، وصفاء الروح؛ إلا أنه يقضي على الإنسان نفسه، وأصبح يهدد حياته في كل بقاع الأرض.

ومع انتشار الفيروس، نعود مع “ماركيز” بالذاكرة إلى وباء الكوليرا الذي اجتاح البلاد حينها، لكنه لم يكن عائقًا في وجه الحب، حتى مع مرور السنوات، فهل يجد الإنسان ذاته من جديد ويعلم أهمية المحبة في قلبه أثناء الأزمات؟

يُعد هذا السؤال الأكثر أهمية في الآونة الأخيرة؛ فلا داعٍ للانهيار أمام فيروس صغير يشبه في أعراضه الحُمى؛ بل إن الإنسان في هذه الحالة سيجد نفسه أمام بعض الأسئلة التي تبحث في ذاته العميقة، سواء عن الحياة الشخصية أو العملية.

اقرأ أيضًا: ثقافة الرفض وفلسفة التقبُّل

الإنسانية في زمن الفيروس

المعركة الأكثر صعوبة

لا شك في أن الإنسانية في زمن الفيروس تعتبر بمثابة المعركة الأكثر صعوبة، وفي حالة تمتعك بالكثير من الإيثار، فإن الأمر لن يقيدك عن الوصول إلى أحلامك، رغم التهديدات الصحية التي يفرضها “كورونا” على المجتمعات، ورغم ذلك، ستجد الأنانية مكانًا لها بين صفوف العامة.

ومن ثم، أصبح ممارسة كل شيء عن بُعد ضرورة لا ريب فيها؛ حتى يأخذ الكوكب هدنته من النفاق الاجتماعي، ويقف الإنسان من جديد أمام مرآته الخاصة، ويبدو في هذه اللحظة تحديدًا أن ذاكرة القلب قادرة على أن تمحو كل الذكريات السيئة، ولا أحد بإمكانه أن يعلمك كيفية الحياة، أنت الآن وجهًا لوجه أمام خياراتك الشخصية؛ La sabiduría nos llega cuando ya no nos sirve de nada؛ فالحكمة غالبًا ما تظهر عندما لا تعود بالفائدة علينا؛ كما قال “ماركيز” في رائعته الأدبية الشهيرة.

إن أصحاب الرؤى في هذا العالم لا يمنعهم شيء من تعزيز إنسانيتهم في زمن الفيروس المنتشر؛ بل إنه الوقود الذي يحركهم نحو قهر المزيد من التحديات، حتى وإن كانت تنتمي إلى الطبيعة.

اقرأ أيضًا: حالات الضيق المفاجئة.. ثورة بركان الترسبات النفسية

العمل والخروج عن حيز المألوف

وفي ظل البحث عن مصل، وإعلان التوصل إلى آخر، يُعد العمل بمثابة الوسيلة المثالية للخروج عن حيز المألوف، وضرورة لا بد منها؛ فانتشار الفيروس لا يحد من المصروفات اليومية؛ فعلى كل شعب أن يقتات، ويؤمن من المؤن ما يضمن بقاءه.

اقرأ أيضًا: الفرص الاجتماعية للشركات.. كيف تكون الأزمات وسيلة للتربح؟

الإنسانية في زمن الفيروس

والآن، هل باتت الحياة حقًا معركة للبقاء أم رحلة لتطوير الذات؟ في الحالتين، أوشك فيروس كورونا المستجد على كشف المعدن الحقيقي للأشخاص، من سيختار الوقوف إلى جانبك، ومن يفر هربًا نحو المجهول الذي لا يعلمه هو شخصيًا؛ حيث إن Es la vida, más que la muerte, la que no tiene límites، كما أكد ماركيز حقًا، “ها هي الحياة التي لا حدود لها، أكثر من الموت”.

وبينما يتحسس الفرد إنسانيته مساءً، ما زالت الأسئلة مطروحة، فيما ترفض الإجابات أن تسطر حروفًا لها، وهي تعلم أن الحياة ما هي إلا لغز كبير، يسعى الفرد دائمًا إلى فك شفراته المتعددة، والخفية بين طيات المجهول، أو المعروف بين الطموحين باسم “المستقبل”.

الأخلاق والمشاعر الطيبة

“الأخلاق تجعلنا نحن الأطباء من خشب”؛ إنها تلك الصفة البسيطة التي يمكن أن يتمتع بها الفرد، ويواجه بها تحديات المجتمع، هي ذاتها ما تجعله خشبيًا لا يتأثر بالمرض عندما يختلط به؛ بل إنه يسعى لعلاجه، كما وصفهم الكاتب الكولومبي.

وجد “ماركيز” في كتابه عن الحب والكوليرا، وصفًا دقيقًا للإنسانية، حينما قال La humanidad, como los ejércitos en campaña, avanza a la velocidad del más lento، أو “إنها الإنسانية؛ تتقدم بسرعة أبطأ جندي في المعركة”.

لا يُعد الوباء، الذي ظهر بين عشية وضحاها، مرضًا يطارد الأفراد في الأرض، إلا أنه وضع إنسانيتنا تحت مجهر الحقيقة، كاشفًا الوجوه على حقيقتها، القبيح منها والجميل على حد سواء، والآن، لم يعد بيد الإنسان شيئًا سوى أن يكون إنسانًا، يتلحف الإنسانية في تعاملاته اليومية، رغم ابتعاده عن الاختلاط بالآخرين، ويختزل المشاعر النقية في قلبه؛ حفاظًا على ما تبقى من آدمية قد تُظهر مفهوم تواجده المعنوي على سطح هذا الكوكب؛ الذي شهد الكثير من الآلام، استعدادًا لميلاد آمال جديدة، ولنلتمس من إنسانيتنا عذرًا، على ما اقترفه الكثيرون من أخطاء بحق أنفسهم.

اقرأ أيضًا:

التغلب على نوبات الهلع مع انتشار “كورونا”

غضبك الصامت.. معركة الثبات الانفعالي

الأقنعة الوظيفية ووهم الكمال الاجتماعي

الرابط المختصر :

عن لمياء حسن

لمياء حسن حاصلة على شهادة في الإعلام المرئي، مقدمة برامج سابقة في إحدى الإذاعات المصرية الشهيرة، عملت بالصحافة الورقية والإلكترونية العربية لمدة 7 سنوات. تتقن اللغة الكورية والإسبانية إلى جانب الإنجليزية.

شاهد أيضاً

قصص نجاح رائدات الأعمال

قصص نجاح رائدات الأعمال في العالم.. كيف كانت البداية؟

يسلط موقع “رواد الأعمال” الضوء على نجاح المرأة على المستوى الدولي؛ حيث تمكنت أن تسطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.