اقتصاد الكوارث

اقتصاد الكوارث.. من أزمة الكمامات إلى معركة ورق المراحيض!

ينطوي اقتصاد الكوارث على أبعاد جمة؛ فجانب منه أخلاقي، يحاول التدخل لحل مشكلة ما، والعمل على استغلالها، وتحقيق الربح من خلالها، أما الجانب الآخر فهو لا أخلاقي، بل “فج” في لا أخلاقيته؛ إذ لا يكتفي باستثمار الأزمة، وإنما يعمل على صناعتها كذلك، ومن هنا تبنع لا أخلاقيته.

هذا الجانب الأخير هو ذاك البعد الذي تستخدمه وتتبناه الرأسمالية في صورتها الأكثر بربرية وهمجية، وهو ذاته البعد الذي نددت به الكاتبة والباحثة الكندية Naomi Klein في كتابها ذائع الصيت  “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث”.

اقرأ أيضًا: فيروس كورونا وعولمة المرض.. كوكب الأرض في خطر

صناعة الكارثة

في عام 1982 كتب ميلتون فريدمان؛ زعيم مدرسة شيكاغو، وصاحب كتاب: “الرأسمالية والحرية”، والمفكر الاقتصادي ذو الصيت العالمي قائلًا: “وحدها الأزمة –الواقعة أو المنظورة- هي التي تحدث تغييرًا فعليًا”.

وإذا كان الرجل يؤمن بذلك هو وكل زملائه فإنهم من المؤكد صنعوا الكثير من الكوارث والأزمات، وهي ذاتها الأزمات التي أسهبت “Naomi Klein”، في كتابها سالف الذكر، في ذكرها والإشارة إليها.

لكن ما يعنينا هنا، وبعيدًا عن الجانب الأخلاقي في الموضوع، أن كل كارثة/ أزمة كالأعاصير، والبراكين، والفيروسات الفتاكة مثل فيروس كورونا مثلًا تنطوي على مكسب من نوع ما، سوى أن الطريقة التي تتعامل بها رأسمالية الكوارث ذات أضرار اجتماعية فادحة؛ لذا لا يمكن تبني هكذا نظرية دون الإلمام بالمخاطر التي قد تترتب عليها.

اقرأ أيضًا: 5 حيل لنجاح التغيير المرن

اقتصاد أكثر رحمة أو الاستثمار الأخلاقي للكوارث

سنحاول في هذا الجزء أن نشير إلى الجزء الذي أغفلته Naomi Klein في كتابها السابق ذكره؛ نظرًا لأنها كانت منشغلة بالتأريخ لفكرة ما “رأسمالية الكوارث” عبر حقب زمنية مختلفة، واستقصائها في دول عدة؛ أبرزها دول أمريكا اللاتنية التي كانت بمثابة حقل تجارب ميلتون فريدمان وأتباعه.

إن اقتصاد الكوارث الذي نحاول الإشارة إليه في هذا الصدد هو ذاك الاقتصاد الذي لا يصنع كارثة أو أزمة ما، وهو، أيضًا، ذاك الاقتصاد الذي لا يعتمد في تكنيكاته واستراتيجاته على إخضاع المجتمع وإجبار أفراده على تبني وجهة نظر ما أو لشراء سلعة ما؛ رغبة في تمرير سياسات اقتصادية بعينها؛ فالمرء يقبل، وهو رازح تحت نيّر الأزمة/ الكارثة، ما لا يقبله في الظروف العادية والطبيعية.

وعلى ذلك، يمكن القول، وببعض الثقة، إن اقتصاد الكوارث هو اقتصاد رحيم، وهو كذلك طوق نجاة من نوع فريد؛ إذ تتعلق الأنظار به عند كل أزمة، فما يكون منه إلا أن يقدم حله الفريد.

يذكرنا اقتصاد الكوارث، مرة أخرى، بجوهر ريادة الأعمال؛ ذاك الذي يعني محاولة استخدام/ استغلال أزمة ما من أجل تحقيق مكاسب لكل الأطراف التي تعاني منها؛ عبر تقديم حل فريد “ريادي”، اقتصاد الكوارث، إذًا، اقتصاد ريادي، لكن بشرط أن يكون ملتزمًا بذاك النهج الذي بسطناه لتونا.

اقرأ أيضًا: أزمة العالم الرأسمالي.. لماذا لا تأخذ الشركات خطوة إلى الأمام؟

آثار جانبية للأزمات

لا تأتي الكارثة وحدها، وإنما غالبًا تكون مشفوعة ببعض الآثار الجانبية، والتي تلقي، دائمًا، بظلالها على المجتمع، ويكون لها، بطبيعة الحال، تبعات اقتصادية بشكل مباشر حينًا وغير مباشر حينًا آخر.

فعلى سبيل المثال، أحدث فيروس كورونا المستجد إقبالًا كثيفًا على بعض السلع، لعل أبرزها الكمامات الطبية، إلى الحد الذي يمكن أن تواجه فيه الأسواق أزمة نقص هذه السلعة، ناهيك عن الإقبال الكثيف على شراء السلع والمواد الغذائية بشكل مبالغ فيه؛ استعدادًا لعدم خروج الناس من بيوتهم؛ خشية الإصابة بهذا الفيروس القاتل.

ومن المضحكيات المبكيات في هذه الآثار الجانبية التي جرتها أزمة فيروس كورونا على العالم هو معركة أوراق المراحيض التي نشبت في استراليا؛ جراء تكالب الناس على شراء أكبر كمية من هذه الأوراق؛ مبالغة منهم في النظافة الشخصية؛ خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا.

ووصل الأمر إلى تشاجر بعض السيدات بعنف في أحد متاجر سيدني، ووصل الشجار حد الضرب وشد الشعر؛ وهو ما أدى إلى تدخل الشرطة مطالبةً الناس بالهدوء.

ووصل النزاع على أوراق المراحيض إلى الحد الذي قالت فيه إحدى النساء الثلاث المتشاكسات “أريد حزمة واحدة فقط!”. إنها تقول ذلك، وكأنها تريد العثور على سبيكة ذهب، أو حجر كريم من نوع نفيس! إنه فعل الصدمة وأثر الكارثة، الذي كان “ميلتون فريدمان” يُحسن استغلاله جيدًا.

وكنوع من التجاوب الرسمي مع هذه الأزمة، كتب براد هازارد؛ وزير الصحة في ولاية نيو ساوث ويلز الاسترالية، عبر حسابه على “تويتر”، مرفقًا تغريدته بصورة للرفوف الفارغة “رجاءً توقفوا! إذا لم يشتر بعض الأفراد كميات كبيرة من ورق المرحاض.. لن تكون هناك أي مشكلة”.

اقرأ أيضًا: الاقتصاد الأخلاقي..المسؤولية الاجتماعية كمخرج من أزمات الرأسمالية

اقتصاد الكوارث

طريقتان للتعامل مع الأزمات

وإزاء هذه الآثار الجانبية للأزمة _الحالية أو أي  أزمة أخرى_ ستكون ثمة طريقتين للتعامل؛ الأولى: طريقة مدرسة رأسمالية السوق وكل أتباع ميلتون فريدمان، وهي تلك التي تسعى إلى استغلال الأزمة لتحقيق أكبر قدر من الربح بغض النظر عن أي تبعات اجتماعية أو بيئية.

أما الطريقة الأخرى فهي طريقة اقتصاد الكارثة؛ ولكن الذي تم قلبه رأسًا على عقب فأمسى اقتصادًا رحيمًا، إنه ذاك الاقتصاد التابع للرأسمالية التنافسية التي كانت _وفقًا لتحليل وتحقيب المؤرخ الفرنسي الراحل وأحد مؤسسي مدرسة الحوليات الحديثة_ تعتمد على التنافس لا على الاحتكار.

أي أن هذا الاقتصاد سيحاول تقديم حل ريادي مبتكر لتلك الأزمة الراهنة، مع ضمان تحقيق مكاسب للجميع، دون الاستئثار لنفسه بالمكاسب والخيرات، وهو ذاك البعد الاقتصادي الذي يظهر فيه جوهر الرأسمالية بما هي فن اختراع الحلول الوسط.

اقرأ أيضًا:

كورونا وأخواته.. بنات أفكار لرواد الأعمال

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كورونا والمسؤولية الاجتماعية

كورونا والمسؤولية الاجتماعية للشركات.. مساهمات للخروج من الأزمة

على الرغم من أن هناك مناقشات مستفيضة حول تأثير فيروس كورونا في الاقتصاد العالمي، إلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.