ازرع جميلًا ولو في غير موضعه

 

يعد مطار هيثرو بلندن، أكبر المطارات البريطانية، وثالث أكثر مطارات العالم ازدحامًا بالمسافرين، والذي تملكه الآن شركة خدمات المطارات البريطانية، بعد أن كان هو المطار العسكري الرئيس في الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتحول إلى مطار مدني.

ولي مع هذا المطار ذكريات، ففي رحلة العودة من لندن إلى الرياض ذات مرة، كنت قد صرفت كل ما معي من مال بالجنيه الإسترليني، اعتمادًا على أن هناك من يبيع بالعملة الأجنبية عند الشراء من المطار، فمررت على منفذ بيع اشتريت منه زجاجة ماء، وعند وقوفي عند المحاسب، أخرجت له مبلغًا بعملة أجنبية فرفض قبوله، فأخبرته بعدم وجود إسترليني معي!

فجأة، تقدم من خلفي رجل أجنبي لا أعرفه، تعلو محياه الابتسامة؛ ليدفع المبلغ نيابة عني، فعرضت عليه أخذ المقابل، فرفض تمامًا، وقال إنه مسرور جدًا بما فعل، فسألته عن الدافع لذلك، فقال: “فعل الخير، وأعتقد أن مثل هذا الفعل سيرتد إلىَّ يومًا”.

 

بعد انصرافي، فكرت في كلامه، وقلت: هل هذا صحيح؟ وكيف ينبهني هذا الشخص اللطيف- الذي لا أعرف أصله ولا عرقه ولا دينه- لدرس عظيم غاب عني كثيرًا؛ فكوني مسلمًا، أعرف الكثير عن فضائل فعل الخير عبر ما تلقيناه من تربية في بيئتنا المحافظة، كما لا أشك في أنَّ فعل الخير من الصفات الحميدة والمتأصلة في حضارتنا وموروثنا الإسلامي العظيم، وأنه لا جديد في الأمر، غير أن ما ميز هذا الموقف أنه جاء بصورة عملية، ومن شخص على غير معتقدي، وعلى درجة كبيرة من الحماس لفعل الخير، وكأن ذلك ديدنه، وكذلك اعتقاده بأنه هو المستفيد من مثل هذا التصرف.

بقي هذا الموقف الجميل ملازمًا لي، وأذكره في كثير من المجالس، غير أني لم أجد لذلك كبير الأثر في نفسي، إلى أن قلت: لماذا لا أطبق هذا في الواقع؟

وذات يوم، أسديت معروفًا لشخص بنفس راضية ووجه مبتسم، متذكرًا ما حدث معي بمطار هيثرو، فسألني عن سبب ذلك، فقلت له: “فعل الخير، ولا غيره؛ فذلك سيرتد إلىَّ يومًا ما عندما أحتاج إليه”.

مرت الأيام والليالي، ونسيت هذا الموقف؛ حتى واجهت مشكلة، فتمنيت أن يقف معي أي شخص حتى أتجاوزها، فيسر الله لي من ساعدني. ولا أفسر ذلك سوى بأنه فضل من الله وتكرمًا منه سبحانه وتعالى، ولربما مساعدتي ذلك الشخص، ارتدت إلىَّ.

 

إنَّ لفعل الخير آثارًا نفسية إيجابية كثيرة؛ إذ يبعث على السعادة، التي تتمثل في روعة العطاء، والشعور بالانتماء الاجتماعي، والقيام بأعمال مجتمعية ذات قيمة، كما أنَّ لكلمات الشكر والعرفان التي يسمعها فاعل الخير، آثارًا نفسية تبعث على الرضا والاطمئنان والسكينة.

لذلك، نعرف سبب اهتمام وتأكيد المتخصصين في مجال الطب النفسي منذ الأزل، على أهمية ممارسة العمل التطوعي كأحد صور فعل الخير، وكونه عاملًا أساسيًا في علاج كثير من الأمراض النفسية والاضطرابات والانحرافات السلوكية لدى الشباب والمراهقين.

وتعرف الأمم المتحدة علامات الصحة النفسية، بعمل الشخص عملًا لآخرين لا يعود نفعه المادي عليه؛ ما يدل على إحساسه بالآخرين، ومشاركته لهم، وإسهامه في حل مشاكل المجتمع، وعدم انغلاقه على نفسه؛ إذ يخرج من دائرة التمركز حول الذات؛ فيشعره بالراحة، والاطمئنان النفسي، والثقة في المجتمع، فتذوب معه أمراض الحقد، والضغينة، والاكتئاب الموجودة في النفس البشرية.

ويكون الأمر أكثر نفعًا، عندما يمارس المريض، العمل الخيري؛ كونه عبادة لله؛ فيشبع الجانب الروحي والنفسي معًا. وتأملوا مدى الراحة والسمو النفسي في أحاديث رسولنا الكريم، حول هذا الجانب؛ فقد أتاه رجلٌ يشكو قسوةَ قلبِه، فقال له النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:” أتحِبُّ أنْ يلينَ قلبُك، وتُدرِكُ حاجتَك؟ ارحَمِ اليتيمَ، وامسَحْ رأسَه، وأطعِمه من طعامِك، يلِنْ قلبُك، وتُدرِكْ حاجتَك”

 

وفي هذا المقام، أستشهد بأبيات من روائع ثقافتنا الإسلامية، تنسب للإمام الحافظ أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي قال فيها:

ازرعْ جميلًا ولو في غيرِ موضعهِ    فلا يضيع جميلٌ أينما زُرعا

إنَّ الجـميـلَ وإن طـالَ الزمــانُ بهِ    فلا يـحصده إلا الـذي زَرعـا

 

 

 

الرابط المختصر :

عن عبد الله محي أحمد عسيري

· ماجستير هندسة البرمجيات من جامعة برادفورد الحكومية بالمملكة المتحدة. · مستشار للمنشآت الصغيرة والمتوسطة باعتماد وعضوية من AASBC (الرابطة الأمريكية لمستشاري الأعمال الصغيرة المعتمدين). · جائزة التميز الوظيفي على مستوى المملكة من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. · جائزة الأمير عبد العزيز بن عبدالله العالمية لريادة الأعمال على مستوى العالم العربي. · عضو مؤسس لمبادرة سواعد وأفكار. · الميدالية الذهبية في مجال تقنية المعلومات والاتصالات. · كاتب معرفي لمئات المقالات في عدد من الصحف والمجلات أبرزها مجلة رواد الأعمال. · ميسر إقليمي لتأهيل الشاب لريادة الأعمال عبر شهادة KAB من منضمة العمل الدولية ومعهد ريادة

شاهد أيضاً

دمت بخير يا وطني

دمت بخير يا وطني

نحمد الله ونشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ فنعمة الأمن في الأوطان من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.