أهمية العمل الإنساني

أهمية العمل الإنساني.. فن العطاء وإصلاح العالم

تنبع أهمية العمل الإنساني من بؤس العالم المعيش؛ المليء بالحروب والصراعات، والفقر والحاجة، وكلما زادت مآسي بني جنسنا اشتدت الحاجة إلى من يخرجون من شرنقة الاهتمام الضيق بأهوائهم ومطالبهم الشخصية إلى العالم، ومد يد العون للآخرين.

لست مؤمنًا fأن أهمية العمل الإنساني تأتي من كونه يسبب السعادة لمن يعطون؛ فالمعطي عن حق لا ينتظر شيئًا، ولا مقابلًا، نحن هنا خارج كل الحسابات المنطقية أو العقلانية التي قد يبحث عنها عالم اجتماع ما، حتى إن المرء ليتخيل حين يقرأ كتاب عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس المعنون بـ «بحث في الهبة» أن العطية نوع من الاستثمار.

صحيح أن الهبة في بعض السياقات والمواقف الاجتماعية، خاصة تلك المحكومة بالأعراف والتقاليد، قد تبدو وكأنها نوع من الاستثمار المؤجل، فأنا أمنحك هدية ما كي تردها لي، في موقف أو مناسبة قربت أم بعدت، بأفضل منها.

وعلى الرغم من هذه التحليلات المفرطة في نفعيتها، يبقى العطاء الحقيقي عطاءً غير مشروط، ولعل خصوصية بل  أهمية العمل الإنساني تأتي من كونه فعلًا واعيًا نابعًا من القلب، خارج كل الحسابات المنطقية حسيرة النظر.

اقرأ أيضًا: كيف يستفيد الموظفون من المسؤولية الاجتماعية للشركات؟

لماذا نعطي؟

إذا كان العطاء الحقيقي مطلوبًا لذاته، وإذا كان المعطي الحقيقي لا يطلب رد الجميل، فلماذا نعطي فعلًا؟ يجب علينا القول، من باب الأمانة النظرية، أن تقديم إجابة عن سؤال كهذا ليس من السهولة بمكان، ليس لشح الإرث النظري وإنما لوفرته وتنوع الآراء حوله، فـ «كانط» على سبيل المثال، صاحب مبدأ «المبدأ الأخلاقي» لن ينظر إلى مسألة العطاء كما ينظر إليها فريديرك نيتشه مؤلف الكتاب الذي أحدث شدخًا في تصورنا لفلسفة الأخلاق ومعنى العطاء «أصل الأخلاق وفصلها».

وهما معًا (كانط ونيتشه) يختلفان تمام الاختلاف في النظر إلى العطاء عن جيرمي بنتام أو ويليام جيمس؛ وبعيدًا عن كل هذا الحشد النظري _طالما أن بحث مسألة العطاء لن يمكن أن يتم إلا من خلال استقصاء مبدأ الأخلاق من الأساس_ فإن ما يسعنا قوله إن أهمية العمل الإنساني أو الإجابة عن سؤال: لماذا نعطي؟ إنما تنم عن رغبة راسخة لدى المعطين في الخروج من الذات، ومجاوزة «الشرط الإنساني» الخاص بهم.

اقرأ أيضًا: المسؤولية الاجتماعية تجاه المصابات بسرطان الثدي.. الدور والأثر

ما بعد المثالية

ما نقصده بطرحنا السابق أن الإنسان، وبعيدًا عن كل تصور مثالي متعالٍ لا ينتمي إلى طبيعتنا البشرية، محب لنفسه، راغب في الاستئثار بأكبر قدر من الخيرات لنفسه، لكنه يرغب، طالما قرر الهجرة من ذاته إلى الآخرين (هذه الهجرة يسميها يورجين هابرماس في سياق آخر «بين ذاتية»)، في إشراك أخيه الإنسان في بعض الخيرات التي حصل عليها.

والعطاء، منظورًا إليه من زاوية النظر هذه، جهاد بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ إذ إنه يتطلب مني أن أفضّل غيري على نفسي، بل أن أمنحه وأحرم نفسي. طبعًا نحن مدركون لـ «لذة العطاء» التي لا تضاهيها لذة، لكن لا يمكن الجزم أنها هي سبب فعل العطاء؛ فالمرء لا يشعر بها إلا بعد إقدامه على العطاء، كما أنه لن يعرفها إلا بعد أن يمنح ماله ووقته وخبرته.

أهمية العمل الإنساني

اقرأ أيضًا: المؤسسات غير الربحية.. تعريفها وأنواعها

التنمية المستدامة

تتبين أهمية العمل الإنساني، بعيدًا عن المنافع/ المكاسب النفسية التي تعود على المعطين أنفسهم، في عملها على تعزيز مفهوم التنمية المستدامة؛ فالعطاء معنى واسع ومفهوم معقد؛ إذ يبدأ من إصلاح طريق ما، أو إيصال خدمات إلى قرية أو مكان ناء، ويصل إلى تعليم الفقراء، وتوفير فرص تعليم أفضل لمن يحيون في بيئات أكثر فقرًا.

وبهذا لا يتم الحفاظ على البيئة، أو الموارد الطبيعية التي بحوزتنا نحن بني البشر في الوقت الراهن فحسب، ولكنها تدخرها للأجيال القادمة؛ عبر صناعة جيل يفهم تحديات تلك الحقبة من تاريخنا البشري. العطاء بذر بذور في أرض الإنسانية، إنه عطاء شخصي يعود نفعه على العالم ككل.

اقرأ أيضًا:

جو رايلي.. إنسانية رائدة أعمال تدعم مريضات السرطان

المنافسة العادلة بين الشركات.. فلسفة الربح الجماعي

ضمان العدالة بين الموظفين.. الطريق لبيئة عمل صحية

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

مبادئ المسؤولية الاجتماعية

مبادئ المسؤولية الاجتماعية لدى جوجل.. ممارسات مستدامة

إذا أردنا أن نعرف كيف تعزز جوجل مبادئ المسؤولية الاجتماعية؟ فلنلق نظرة، أولًا، على الشركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.