ra2ed

نور الدين محمود زنكي .. السلطان العادل

ظهر نور الدين محمود على مسرح الأحداث في النصف الأول من القرن السادس الهجري، والناس في أشد الحاجة إلى مثله ليأخذ بيدهم من حلكة الظلام الدامس الذي اكتنف بلادهم، منذ أن وطئتها أقدام الصليبيين، ودنست أرجلهم مدينة القدس، ولم تلمع في الأفق بوادر الأمل وإشراقات الصباح؛ فالفوضى تعم بلاد الشام، والأمراء والحكام مشغولون بأنفسهم وأطماعهم، والمحتل الوافد ترتفع قامته على خلافات المسلمين وتطاحنهم وتزداد قوته بتناحرهم وتنازعهم، ولولا بقية من أمل ظلت تعمل في قلوب بعض المخلصين لحدث ما لا تحمد عقباه.

وجاء أول بصيص للأمل مع ظهور “عماد الدين زنكي” الذي استطاع بقدرته وكفاءته أن يلي الموصل وأن يثبّت أقدامه فيها، ونجح في أن يمد سلطانه إلى نصيبين وحران، وهيأ نفسه لكي يقوم بحركة الجهاد ضد الصليبيين، وأدرك أن ذلك لن يتحقق ما لم تتحدد القوى الإسلامية في العراق والشام، فتطلع إلى حلب وكانت غارقة في بحر من الفوضى بعد وفاة أتابكها “عز الدين مسعود البرسقي”، ويتنازع عليها السلاجقة والصليبيون للاستيلاء عليها، فتحرك عماد الدين وأفسد على الطامعين خططهم ووضع يده على حلب في سنة (522هـ/ 1128م)، ثم لم يلبث أن تعثرت خطاه بفعل الصراعات الداخلية في المنطقة التي أشعلها بعض الأمراء ضده؛ خوفًا من ازدياد نفوذه في شمالي الشام والعراق، فقضى زمنًا يدفع تلك الأخطار عن نفسه حتى تمكن من بسط نفوذه وترسيخ أقدامه، واحتاج ذلك وقتًا طويلاً استهلك من عمره سبع سنوات قبل أن يفرغ لمنازلة الصليبيين، حتى تمكن من فتح مدينة الرها سنة (538هـ/ 1144م)، وكان ذلك ضربة قوية للكيان الصليبي؛ لأن الرها كانت أولى الإمارات الصليبية التي تأسست في الشرق إبان الحملة الصليبية الأولى، ولم يمهل القدر عماد الدين زنكي لكي يواصل أعماله، حيث اغتالته يد الغدر في (6 من ربيع الثاني 541هـ/ 14 من سبتمبر 1147م).

نور الدين محمود
ولد نور الدين محمود في (17 من شوال 511هـ/ 11 من فبراير 1118م)، وهو ثاني أولاد عماد الدين زنكي بعد سيف الدين غازي، وقد تأثر أبناء عماد الدين بما كان لأبيهم من خلال وفضائل، فكانوا جميعًا من رجال الجهاد وفرسانه، على تفاوت في ذلك بينهم.

وبعد وفاة عماد الدين زنكي اقتسم ولداه: سيف الدين غازي ونور الدين محمود دولته، فاستقر الأول بالموصل وثبّت أقدامه بها، وانفرد الآخر بحكم حلب، وكان الحد الفاصل بين أملاك الأخوين هو نهر الخابور، وكان كلا الأخوين مؤهلاً لما وجهته له الأقدار، فكان سيف الدين غازي صاحب سياسة وأناة، على حين كان نور الدين مجاهدًا مخلصًا جياش العاطفة صادق الإيمان، ميالاً إلى جمع كلمة المسلمين وإخراج الأعداء من ديار المسلمين، مفطورًا على الرقة ورهافة الشعور؛ وهو ما جذب الناس إليه، وحبب القلوب فيه.

وكان على نور الدين أن يواصل سياسة أبيه في جهاد الصليبيين، يدفعه إلى ذلك طبيعته المفطورة على حب الجهاد، وملازمته لأبيه في حروبه معهم. وقرب إمارته في حلب من الصليبيين جعله أكثر الناس إحساسًا بالخطر الصليبي.

الجهاد ضد الصليبيين
استهل نور الدين حكمه بالقيام ببعض الهجمات على إمارة أنطاكية الصليبية، واستولى على عدة قلاع في شمال الشام، ثم قضى على محاولة “جوسلين الثاني” لاستعادة الرها التي فتحها عماد الدين زنكي وكانت هزيمة الصليبيين في الرها أشد من هزيمتهم الأولى، وعاقب نور الدين من خان المسلمين من أرمن الرها، وخاف بقية أهل البلد من المسيحيين على أنفسهم فغادروها.

وكان نور الدين دائم السعي إلى استمالة القوى الإسلامية المتعددة في شمال العراق والشام وكسب ودها وصداقتها؛ لتستطيع مواجهة العدو الصليبي، فعقد معاهدة مع “معين الدين أنر” حاكم دمشق سنة (541هـ/ 1147م) وتزوج ابنته، فلما تعرض “أنر” لخطر الصليبيين وكانت تربطه بهم معاهدة وحلف لم يجد غير نور الدين يستجير به، فخرج إليه، وسارا معا واستوليا على بصرى وصرخند قبل أن يقعا في يد الصليبيين، ثم غادر نور الدين دمشق؛ حتى يبعث في قلب حاكمها الأمان، وأنه لا يفكر إلا في القضاء على الصليبيين؛ فتوجه إلى حصون إمارة أنطاكية، واستولى على أرتاح وكفر لاثا وبصرفوت.

وعلى أثر ذلك ملك الرعب قلوب الصليبيين من نور الدين، وأدركوا أنهم أمام رجل لا يقل كفاءة وقدرة عن أبيه عماد الدين، وكانوا قد ظنوا أنهم قد استراحوا بموته، لكن أملهم تبدد أمام حماسة ابنه وشجاعته، وكانت سنُّه إذ ذاك تسعًا وعشرين سنة، لكنه أوتي من الحكمة والتدبير خيرًا كثيرًا.

وفي سنة (542هـ/ 1147م) وصلت الحملة الصليبية الثانية على الشام بزعامة لويس السابع وكونراد الثالث، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها وتعرضت لخسائر هائلة، وعجزت عن احتلال دمشق، ويرجع الفضل في ذلك لصبر المجاهدين واجتماع كلمة جيش المسلمين ووحدة صفهم، وكان للقوات التي جاءت مع سيف الدين غازي وأخيه نور الدين أكبر الأثر في فشل تلك الحملة، واستغل نور الدين هذه النكبة التي حلّت بالصليبيين وضياع هيبتهم للهجوم على أنطاكية بعد أن ازداد نفوذه في الشام، فهاجم في سنة (544هـ/ 1149م) الإقليم المحيط بقلعة حارم الواقعة على الضفة الشرقية لنهر العاصي، ثم حاصر قلعة إنب، فنهض “ريموند دي بواتيه” صاحب إنطاكية لنجدتها، والتقى الفريقان في (21 من صفر 544هـ/ آخر يونيو 1149م) ونجح المسلمون في تحقيق النصر وأبادوا الصليبيين عن آخرهم، وكان من جملة القتلى صاحب أنطاكية وغيره من قادة الفرنج، وكان فرح المسلمين بهذا النصر عظيمًا.

ضم دمشق
آمن نور الدين بضرورة وحدة الصف، وانتظام القوى الإسلامية المبعثرة بين الفرات والنيل حتى تقف كالبنيان المرصوص أمام أطماع الصليبيين، وكانت دمشق تقف حجرة عثرة في طريق تلك الوحدة، وكان معين الدين أنر صاحب السلطة الفعلية في دمشق يرتبط بعلاقات ودية مع الصليبيين ومعاهدات وتحالفات، وبعد وفاته قام “مجير الدين أبق” بحكم دمشق، وجرى على سياسة أنر في التعامل مع الصليبيين، بل أظهر ضعفًا ومذلة في التعامل معهم، وأعرض عن وحدة الصف وجمع الكلمة، وبلغ الهوان به أن وافق على أن يدفع أهل دمشق ضريبة سنوية للصليبيين مقابل حمايتهم، وصار رسل الفرنجة يدخلون دمشق لجمع الجزية المفروضة دون أن يستشعر حاكمها خجلاً أو هوانًا.

ولم يسكت نور الدين على هذا الوضع المهين، واستثمر شعور الغضب الذي أبداه الدمشقيون، ونجح بمساعدتهم في الإطاحة بمجير الدين أبق وضم دمشق إلى دولته في سنة (549هـ/ 1154م) وكانت هذه الخطوة حاسمة في تاريخ الحروب الصليبية؛ حيث توحدت بلاد الشام تحت زعامة نور الدين من الرها شمالاً حتى حوران جنوبًا، واتزنت الجبهة الإسلامية مع الجبهة الصليبية التي كانت تستغل حالة التشتت والتشرذم، وتوجه ضرباتها إلى دولة الإسلام حتى إن نور الدين لم يستطع نجدة عسقلان عندما هاجمها الصليبيون سنة (548هـ/ 1153م)؛ لأن دمشق كانت تقف حائلاً دون تحقيق ذلك.

الطريق إلى مصر
بعد نجاح نور الدين في تحقيق المرحلة الأولى من توحيد الجبهة الإسلامية لم يعد أمام الصليبيين للغزو والتوسع سوى طريق الجنوب بعد أن أحكم نور الدين سيطرته على شمالي العراق والشام؛ ولذا تطلع الصليبيون إلى مصر باعتبارها الميدان الجديد لتوسعهم، وشجعهم على ذلك أن الدولة الفاطمية في مصر تعاني سكرات الموت فاستولوا على عسقلان، وكان ذلك إيذانًا بمحاولتهم غزو مصر، مستغلين الفوضى في البلاد، وتحولت نياتهم إلى عزم حيث قام “بلدوين الثالث” ملك بيت المقدس بغزو مصر سنة (558هـ/ 1163م) محتجًّا بعدم التزام الفاطميين بدفع الجزية له، غير أن حملته فشلت وأجبر على الانسحاب.

وأثارت هذه الخطوة الجريئة مخاوف نور الدين، فأسرع بشن حملات على الصليبيين في الشام حتى يشغلهم عن الاستعداد لغزو مصر، ودخل في سباق مع الزمن للفوز بمصر، فأرسل عدة حملات إليها تحت قيادة “أسد الدين شيركوه” وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، ابتدأت من سنة (559هـ/ 1164م) واستمرت نحو خمس سنوات حتى نجحت بعد سباق محموم مع الصليبيين في الظفر بمصر سنة (564هـ/ 1169م)، وتولى شيركوه الوزارة للخليفة “العاضد” آخر الخلفاء الفاطميين، على أنه لم يلبث أن توفي بعد شهرين فخلفه في الوزارة صلاح الدين الأيوبي.

نجح صلاح الدين الأيوبي في إقامة الأمن واستتباب الأمور وتثبيت أقدامه في البلاد، وجاءت الفرصة المناسبة لإسقاط دولة الفاطميين؛ فقطع الدعاء للخليفة الفاطمي ودعا للخليفة العباسي في أول جمعة من سنة (567هـ/ سبتمبر 1171م).

وكان لدخول مصر تحت حكم دولة نور الدين محمود دويٌّ هائل، لا في مملكة بيت المقدس وحدها بل في الغرب الأوربي كله، وارتفعت الأصوات لبعث حملة جديدة تعيد للصليبيين في الشام هيبتهم وسلطانهم، وتوجه لمصر ضربات قوية، غير أن حملتهم على مصر لم تحقق أهدافها ليقظة صلاح الدين في مصر.

وبنجاح نور الدين في ضم مصر إلى جبهة الكفاح، يكون قد حقق الحلقة الأخيرة من حلقات الجبهة الإسلامية تمهيدًا للضربة القاضية.

بين نور الدين وصلاح الدين
ومن الملامح البارزة في حياة نور الدين محمود علاقته بصلاح الدين الأيوبي؛ إذ تولى نور الدين تربية صلاح الدين منذ صغره؛ فكان له بمنزلة الوالد والمعلِّم، وكان يدربه على فنون القتال، ويغرس فيه حب الجهاد في سبيل الله U، ثم عينه بعد ذلك قائدًا للشرطة، ثم أرسله بصحبة عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر؛ استجابة للوزير شاور ضد ضرغام الذي استعان بالصليبيين، وبعد انتصار أسد الدين ووفاته، تولى صلاح الدين الوزارة في مصر للدولة العُبيدية، رغم كونه سُنيًّا، وعمل صلاح الدين على تنفيذ أحلام نور الدين، وأحلامه الشخصية، وأحلام المسلمين جميعًا بالقضاء على الدولة العبيدية، وعادت مصر دولة سنية مرةً أخرى، وأضاء وجهها المشرق من جديد.

نور الدين محمود في التاريخ
كان نور الدين مؤمنًا بالإسلام وعظمته؛ وهو ما جعله يحقق ما عجز عنه غيره ممن كانوا أوسع منه بلادًا وأعظم مالاً ونفقة، ولم يكن يحارب الصليبيين على أنهم نصارى بل على أنهم أجانب عن بلاد العرب والمسلمين جاءوا لاحتلال الأرض وتدنيس المقدسات؛ ولذا لم يمس نصارى بلاده بسوء، بل كانوا عنده مواطنين لهم حق الرعاية الكاملة، فلم يهدم كنيسة ولا آذى قسًّا أو راهبًا.

ولم يشغله الجهاد وتوحيد الصف عن إقامة المدارس والمساجد حتى بلغت مدارسه ومساجده المئات، لا يخلو منها بلد دخل تحت سلطانه، وكان إذا أنشأ مدرسة أوسع النفقة في بنائها، واجتهد في اختيار شيوخها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة، وكانت مدارسه تُعنى بالقرآن والحديث، وكان له شغف بالحديث وسماعه من جُلّة المحدثين، وأجازه بعضهم بالرواية.

وإلى جانب إنشاء المدارس توسَّع في إقامة البيمارستانات في كل بلدة تحت حكمه، وجعلها للفقراء الذين لا تمكنهم دخولهم من الاستعانة بالأطباء والحصول على الدواء، كما حرص على إقامة الخانات على الطرق لينزل بها المسافرون للراحة أو للمبيت، وجعل عليها من يحرسها ويحافظ على زائريها.

وكان نور الدين مؤمنًا صادق الإيمان، ومجاهدًا عظيمًا، وزاهدًا متصوفًا لا ينام إلا منتصف الليل ثم ينهض فيتوضأ، ويقبل على الصلاة والدعاء، حتى يقبل الصباح فيصليه ثم يأخذ في شئون دولته.

ولزهده في أبهة الحكم والسلطان لم يكن له راتب يتقاضاه، وإنما كان يأكل ويلبس من ملك له كان قد اشتراه من ماله، ولم يكن له بيت يسكنه، وإنما كان مقامه في غرفة في قلعة البلد الذي يحل فيه.

 

وفاة نور الدين محمود
وبينما كان نور الدين محمود يستعد للسير إلى مصر، فاجأته الحمى، واشتد به المرض حتى لقي الله في (11 من شوال 569هـ/ 15 من مايو 1174م) وهو في التاسعة والخمسين من عمره، وكان لموته رجة عنيفة في العالم الإسلامي، وشعر الناس بحجم الخسارة، وعظم المصيبة التي حلت بهم.

وشاء الله تعالى أن تظل سلسلة المجاهدين قائمة، فكلما غاب من الميدان زعيم نهض من بعده زعيم، وكل خلف يزيد عن سابقه في المواهب والملكات، حتى انتهت الراية إلى صلاح الدين الأيوبي فحقق ما كان أمنية في الصدور وخاطرًا في العقول.

المصدر: موقع قصة الإسلام

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

didat

الشيخ الداعية أحمد ديدات

لم يحظ هذا الفتى بنصيب وافر من التعليم إلا ما حصل عليه من المعلومات الضرورية …

تعليق واحد

  1. مبروك بن فرج البريكي

    صلاح الدين الأيوبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *