فهد الحارثي
فهد الحارثي

فهد الحارثي: نادم لأنني لم أتعلّم بأموال الآخرين

فهد الحارثي: نادم لأنني لم أتعلّم بأموال الآخرين

فهد الحارثي شاب سعودي طموح خاض عدداً من التجارب. يعترف بإخفاقه في كثير منها، ويظل يذكرها بفخر؛ لأنه من غير أن يتذوق طعم الفشل ما كان له أن يصل إلى النجاح. قادته المصادفة إلى مجال التصميم والعمل في الدعاية والإعلان، واستطاع أن يحقق بعض طموحاته من خلال مجموعته The creativage، وهو مصرّ على أنه قادر على أن يصبح مليارديراً. في هذا الحوار نقرأ بعض أفكاره، ونقف على شيء من طموحاته.

* ماذا عن فهد الطفل، والطالب المدرسي، ثم الجامعي؟

– كنت طالباً عادياً جداً، وأحاول أن أكون مجتهداً، ولا أدّعي أنني كنت متفوقاً، لكن الشيء الذي كان يميّزني أنني كنت حريصاً على عدم الغياب عن المدرسة. تخرّجت بنسبة نجاح 79%، وفي وقتها لم أكن أعرف شيئاً عن الحياة، ولم أكن حدّدت ماذا أريد، وما التخصّص الذي أرغب فيه. التحقت ببرنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث في الدفعة الأولى، وفي بداية البرنامج كان يتم قبول كلّ من يتقدم، ولله الحمد أكملت جميع أوراقي. وكان يوم 8 أغسطس عام 2006م أول يوم لي في الولايات المتحدة الأمريكية. ولو سألني أحد: لماذا اخترت الولايات المتحدة الأمريكية؟ أو ما الذي تريده منها؟ أو ما الذي ستدرسه؟ ما كان سيجد أيّ إجابة. التحقت بمعهد جامعة فرجينيا كومنولث VCU، وبعد عام بدأت الدراسة في الجامعة في تخصص هندسة كهربائية، واخترت هذا القسم لأن والدي مهندس، وهو نصحني بهذا التخصص. بعد دراسة سنتين ونصف السنة عدت إلى المملكة للتدريب الصيفي في شركة الكهرباء، وبعدها أدركت أن هذا المجال غير مناسب لي تماماً؛ فأذكر أنني كنت في زيارة إلى إحدى محطات الكهرباء في مدينة جدة، وسألت المهندس المسؤول عن تدريبي: كم التكلفة الفعليه لبناء المحطة؟ وكم تكون قيمة العقد؟ وكم هامش الربح حسب العقد؟ وكم التكلفة الفعلية لأجهزة التحكم؟ وكان ردّه لي على قسمين: في القسم الأول قال لي: هذا سؤال تجاري وليس هندسياً، وفي القسم الثاني قال: تسعير التكنولوجيا له طريقة مختلفة؛ فلا تتم حساب التكلفة فحسب، وإنما البيع يكون للتقنية التي تم الوصول إليها، وقال: لو نأخذ اللوحة (البورد) مثالاً؛ فهي تتكون من أجزاء صغيرة، ولو تحسب تكلفتها غالباً فهي لا شيء، لكن التقنية تباع بمئات الألوف. بعد تجربة التدريب أيقنت أن هذا التخصص غير ملائم لي تماماً. وعند عودتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحدثت مع صديقي محمد عجاجي، وقلت له: أنا أحب التجارة، وأحب تأسيس الشركات، وجزاه الله خيراً نصحني بتخصص ريادة الأعمال entrepreneurship and small business management. ولله الحمد كان اختياراً موفقاً جداً؛ ففي أحد الفصول طلبت الدكتورة أن نعمل على فكرة شركة تغطي فراغاً موجوداً في السوق، وكانت فكرتي عن الفراغ الموجود في السوق السعودي هي صعوبة الحصول على العقارات والخدمات الأخرى؛ مثل: الاستراحات، والشاليهات، وقاعات الأفراح، والشقق المفروشة، وشرحت أن هناك فرصة كبيرة للاستثمار في هذا الفراغ الكبير الموجود في السوق، وكانت هذه الفكرة بذرة المشروع الأول لي (إيجارات السعودية).

* تبدو جريئاً بذكرك مشروعاتك التي أخفقت فيها.. لماذا هذه الجرأة والإصرار على ذكرها؟

– عندما يسألني أحد: ما أكبر خطأ ارتكبته في مسيرتي العملية الصغيرة جداً؟ أقول له: أنني لم أعمل عند أحد؛ فمن أول يوم عمل في حياتي وأنا مسؤول عن شركة من جميع النواحي بقدرات مالية بسيطة وموارد بشرية محدود، وهناك مثل في السوق يقول: (تعلّم على فلوس غيرك)، وهذا الشيء أنا نادم عليه جداً؛ فعند ذكر المشروعات الفاشلة أبرز للناس المدرسة الكبيرة التي تعلمت منها، وكيف علمت نفسي بنفسي، لدرجة أنني في أيام كنت أبكي، ولا أعرف ماذا أفعل، وكيف أتصرف؛ فلا أتوقع أن هناك خبرة عملية تماثل هذه الخبرة. ويأني النجاح دائماً بعد الفشل؛ لأنني لا يمكن أن أكرر الأخطاء التي وقعت فيها من قبل، وأود أن أبيّن للناس أن التجارة ليست كلها نجاحاً ومكاسب مالية كبيرة. وأنا طموحي لا حدود له، وأرى دائماً أنني لست أقلّ من رجال الأعمال الذين حققوا نجاحات كبيرة، وأثق أنني سأنجح، وسأكون مليارديراً. ولو رزقني الله بولد سأسمّيه عمر؛ بسبب حبي مقولة الخليفة عمر بن عبدالعزيز: «إن لي نفساً تواقة، وما حقّقت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه».

* اشرح لنا كيف كانت خطواتك فيما أخفقت فيه؟

– أسّست إيجارات السعودية للتسويق الإلكتروني والعقاري. وأسباب الإخفاق فيها كثيرة، منها: عدم دراسة السوق بشكل كبير، وعدم تحديد رأس المال المطلوب بشكل مفصّل، وتوقع العائدات المالية من اليوم الأول، وقلة الخبرة، والتوقيع مع شركة تصميم فاشلة جداً لم تؤدِّ ما هو مأمول منها، وصرف السيولة المتوافرة بشكل خاطئ، والهدوء الكبير الذي حلّ بالسوق العقاري بسبب إشاعة (أرض وقرض)، وما قيل عن سياسات وزارة الإسكان، وهو ما جعل الطلب يقل لدرجة عدم القدرة على الاستمرار؛ مما اضطرني إلى الخروج من السوق. وأسست شركة الفكر الكبير للاستثمار في المشروعات الصغيرة والناشئة، وكان من أسباب الإخفاق: عدم التوفيق في اختيار الشركاء، وتوزيع النسب بشكل خاطئ، ولم يكن الشركاء متفرغين للمشروع، بل كان من آخر اهتماماتهم. وبعد الخروج من شركة الفكر الكبير قرّرت أن أعمل مطعماً صغيراً يكون علامة سعودية بطريقة مبتكرة وبسيطة، وكانت فكرة المطعم هي سد الفراغ الموجود في سوق التغذية السعودي لوجبة الإفطار، وكنت أطمح إلى مطعم يقدّم سندويتشات عالمية ومحلية بطريقة مميزة. قمت بدراسة المشروع بشكل مفصل، وأخذ الموضوع تقريباً ثلاثة أشهر، وعند الاجتماع مع مصمم متفرغ لكي يقوم بتصميم المشروع حسب تطلعاتي عرض عليّ المصمم أن أقوم بتأسيس شركة تصميم معه، وأغراني بأن رأس مال الشركة صفر، وأن رأس مال المطعم 300 ألف ريال، فقرّرت يومها الدخول في مجال التصميم، ولم أكن أعرف عنه شيئاً.

* متى تدرك أنك أخفقت ولا يجب أن تستمر؟

– عندما لا يكون هناك مردود مالي مجزٍ، أو عندما تكون البوادر لنجاح المشروع بعيدة، هنا أنسحب منه.

* ما الجهة التي دعمتك في المشروعات التي لم تَنَلْ فيها نجاحاً؟

– الشخص الوحيد الذي لا أستطيع أن أجازيه ولو بمال قارون والدي المهندس مسفر الحارثي، جزاه الله ألف خير. أما بالنسبة إلى الجهات الحكومية، فقد توجّهت إلى جهات دعم كثيرة جداً، وأستطيع أن أقول: إن أغلب جهات الدعم الحكومية يمكن وصفها بالطريقة الآتية: الحكومة مشكورة عملت مطبخاً كبيراً جداً، وفيه جميع الأجهزة والأدوات والمعدات لإعداد أشهى المأكولات بأعلى جودة، وبطريقة أفضل من أي مطبخ موجود في أفخم فندق في العالم، لكن المشكلة في إدارة هذا المطبخ.

* ألم يكن الفشل سبباً في تردّدك في خوض مشروعات جديدة؟

– في عام 2013م تم اختياري في برنامج اسمه (قدوة) من لجنة شباب الأعمال في الغرفة التجارية بمدينة جدة، وكنا في هذا البرنامج نجتمع مع رجل الأعمال المشهور المهندس صبحي بترجي مؤسس مجموعة مستشفيات السعودي الألماني ورئيسها، ولهذا الرجل، وهذا البرنامج، فضل كبير عليّ لن أنساه طوال العمر؛ فقد قال لي -جزاه الله خيراً- عبارة عظيمة: «الموظف مهما كبر في وظيفته يظل صبياً عند صاحب المشروع، وتراه يربّي ولد الناس، وراح ييجي اليوم اللي يسيب فيه الولد لصاحبه»، فما أحببت أن أكون صبياً قط.

* كيف اهتديت إلى مشروع التصميم؟

– تكملة لقصة مشروعي، بعد شهرين مع الشغل مع الشريك الأول طلب مني أن نفض الشراكة بسبب عدم الاتفاق، ولم يكن لديّ المال اللازم لتوظيف مصمم، ولم أكن أعلم أي شيء عن التصميم، وكانت هناك مشروعات يجب أن نسلمها في الوقت المحدد لها. تم الاتفاق مع المصممة روان خوقير عن طريق التعاون لكي تقوم بتكملة المشروعات، وكان عددها ثلاثة مشروعات، وكان هامش الربح في المشروعات صفر بسبب تكلفة المصممة. وبحمد الله تم توقيع عقد بقيمة 240 ألف ريال بعد أسبوعين من الانفصال، وتم استئجار مكتب منفصل لي، وتأسيس فريق عمل كان أول شخص فيه هو المصممة روان. وبعد شهرين من إدارة الفريق قمت بأخطاء إدارية كبيرة جداً؛ بسبب عدم الخبرة في مجال التصميم، ثم تم الاتفاق -ولله الحمد- مع الأخت شيماء قاضي مؤسسة ومالكة روح ديزاين على أن تتّحد الشركتان، وتكون هي المسؤولة عن قسم التصميم، وهذا كان أفضل قرار في هذه الشركة. بعدها تفرغت للفرص الاستثمارية الجديدة؛ مثل: تأسيس استديو تصوير صغير للتصوير التجاري من إعلانات ومنتجات ومأكولات، وتمّت تسمية هذا القسم The creativage studio، وهو يسير بشكل ممتاز، ويحقّق دخلاً إضافياً كافياً، وبعد مدة بسيطة عرضت عليّ شراكة في شركة تصوير أطفال بطريقة جديدة واحترافية، وهي تنقل الاستديو إلى بيت العميل، وتصور الطفل بشكل دوري؛ ليحصل الوالدان على تاريخ نمو الطفل مرحلة مرحلة، وتم الاستحواذ على الشركة بشكل كامل بشراء حقوق الفكرة من الشخص الذي عرض عليّ الشراكة، والآن شركة كابتشر لها فريق عمل كامل، وإدارة منفصلة ومستقلة. كما توجد لدينا الآن شركة جديدة، اسمها سيرة، وهي متخصّصة في تصميم السيرة الذاتية بشكل احترافي ومميّز، وقامت بالشراكة بين شركتنا وشركة الهلات الزرقاء للتسويق، وتمضي بشكل جيد. وهذه هي مجموعة ذا كريتيفايج: روح ديزاين، وذا كريتيفايج استديو، وكابتشر، وسيرة.

* كيف يبدو هذا السوق في المملكة؟

– سوق الدعاية والإعلان سوق خصب ونشط بشكل كبير جداً، وجميع الشركات تحتاج إلى وكالة دعاية وإعلان في يوم ما. وكان هذا المجال يسيطر عليه أبناء الجاليتين اللبنانية والسورية، وكان الوجود السعودي بسيط جداً فيه، والآن توجد شركات سعودية كثيرة، وأغلب إدارتها من الشباب السعوديين الطموح، وبكل أمانة، ومن واقع التجربة، رجال الأعمال يدعمون الشركات السعودية الشابة بشكل كبير ومميز.

* ما أسباب النجاح في رأيك؟

– أسباب النجاح كثيرة، أهمها: الطموح، والشغف، والإرادة، والهدف الواضح القابل للقياس، والتجربة، والخبرة، والجنون، وعدم المشي وراء القطيع، والخروج عن المألوف، والتميز.

* بماذا تنصح من يقبل على مشروع جديد يبدأ به حياته؟

– أول نصيحة له أن يتعلم العمل، ويكتسب الخبرة عند غيره، وبعد ذلك عليه دراسة السوق بمختلف الاتجاهات، ودراسة رأس المال بشكل تفصيلي، ويفضّل أن تكون له قدوة في المجال، ثم عليه أن يبحث ويدرس، ولا شك أن التأهيل الأكاديمي سيساعده كثيراً.

عناوين

– بعد عامين ونصف العام من دراستي الهندسة اكتشفت أنها لا تناسبني، وأن التجارة طريقي إلى تحقيق الذات

– قال لي رجل الأعمال المشهور المهندس صبحي بترجي: الموظف مهما كبر في وظيفته يظلّ صبياً عند صاحب المشروع

– لو رزقني الله بولد سأسميه عمر؛ بسبب حبي مقولة الخليفة عمر بن عبدالعزيز: «إن لي نفساً توّاقة، وما حقّقت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه»

– أسباب النجاح كثيرة، أهمها: الطموح، والشغف، والإرادة، والجنون، والخروج عن المألوف

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

عنان الجلالي: هاجرت بـ 10 جنيهات إسترليني.. وأدرت 40 فندقًا في 4 دول

حوار/ مصطفى صلاح لم يستسلم لفشله في المرحلة الثانوية العامة في مصر، ولم يجلس يبكي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *