1omar

عمر المختار .. أسد الصحراء وشيخ الشهداء

هو عمر المختار الملقَّب بشيخ الشهداء أو أسد الصحراء، قائد أدوار (معسكرات) السنوسية بالجبل الأخضر، مقاوم ليبي حارب قوَّات الغزو الإيطالية منذ دخولها أرض ليبيا حتى عام (1350هـ= 1931م)، حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عامًا لأكثر من عشرين عامًا في أكثر من ألف معركة، واستشهد بإعدامه شنقًا عن عمر يُناهز 73 عامًا، وقد صرَّح القائد الإيطالي «أن المعارك التي حَصَلَتْ بين جيوشه وبين السيد عمر المختار 263 معركة، في مدَّة لا تتجاوز 20 شهرًا فقط».

نشأته
وُلِدَ عمر المختار في (13 من صفر 1278هـ= 20 من أغسطس 1861م) في قرية جنزور الشرقية منطقة بئر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.
تربَّى يتيمًا؛ لذلك كان قد كفله حسين الغرياني، عمُّ الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار وهو في طريقه إلى مكة المكرمة.

تلقَّى تعليمه الأوَّل في زاوية جنزور على يد إمام الزاوية الشيخ العلامة عبد القادر بوديه، أحد مشايخ الحركة السنوسية، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل من كبار علماء ومشايخ السنوسية؛ في مُقَدِّمتهم الإمام السيد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنَّه لم يُكمل تعليمه كما تمنَّى.
ظهرت عليه علاماتُ النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسي؛ مما زاده رفعة وسموًّا، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن؛ حتى قال فيه السيد المهدي واصفًا إيَّاه: «لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم». ولثقة السنوسيين به وَلَّوْهُ شيخًا على زاوية القصور بالجبل الأخضر.

اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقًا له إلى تشاد عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها، فسافر سنة (1317هـ= 1899م)، وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية بتشاد وحول واداي، وقد استقرَّ عمر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلًا ومقاتلًا، ثم عُين شيخًا لزاوية عين كلكة ليقضي فترة من حياته مُعَلِّمًا ومُبَشِّرًا بالإسلام في تلك الأصقاع النائية، وبقي هناك إلى أن عاد إلى برقة سنة (1321هـ= 1903م)، وأُسندت إليه مشيخة زاوية القصور للمرَّة الثانية.

معلم يتحول إلى مجاهد
عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يومًا بيوم، فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في (6 من شوال 1329هـ= 29 من سبتمبر 1911م)، وبدأت البارجات الحربية بصبِّ قذائفها على مدن الساحل الليبي؛ (درنة وطرابلس، ثم طبرق وبنغازي والخمس)، كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيمًا في جالو بعد عودته من الكفرة؛ حيث قابل السيد أحمد الشريف، وعندما علم بالغزو الإيطالي -فيما عُرف بالحرب العثمانية الإيطالية- سارع إلى مراكز تجمُّع المجاهدين؛ حيث ساهم في تأسيس وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادمًا من الكفرة، وقد أعقبت انسحابَ الأتراك من ليبيا سنة 1912م وتوقيعهم معاهدة لوزان -التي بموجبها حصلت إيطاليا على ليبيا- أعظمُ المعارك في تاريخ الجهاد الليبي؛ منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في (9 من جمادى الآخرة 1331هـ= 16 من مايو 1913م)، حيث قُتل فيها للإيطاليين عشرة ضباط وستون جنديًّا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود، وذلك إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم. وغيرها عشرات المعارك الأخرى التي تكبَّدت فيها قوَّات الاحتلال الإيطالي خسائر فادحة.

وحينما عُيِّنَ أميليو حاكمًا عسكريًّا لبرقة، رأى أن يعمل على ثلاثة محاور:
الأول: قطع الإمدادات القادمة من مصر، والتصدِّي للمجاهدين في منطقة مرمريكا.
الثاني: قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطة والمخيلي.
الثالث: قتال المجاهدين في مسوس وأجدابيا.
لكنَّ القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م، لتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك؛ حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

الفاشيست والمجاهدون
بعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في (صفر 1341هـ= أكتوبر 1922م)، وبعد الانتصار الذي تحقَّق في تلك الحرب للجانب الذي انضمَّت إليه إيطاليا، تغيَّرت الأوضاع داخل ليبيا، واشتدَّت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهدًا بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار؛ وذلك في الوقت الذي قام أخوه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.

وبعد أن تأكَّد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام (1341هـ= 1923م) للتشاور مع السيد محمد إدريس السنوسي فيما يتعلَّق بأمر البلاد، وبعد عودته نَظَّم أدوار (معسكرات) المجاهدين، فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة، ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات، والفضيل بوعمر على دور الحاسة، والمجاهد المخضرم صالح الطلحي على قبيلة الوطن الشرقي الأصليين، وتولَّى هو القيادة العامة.

وبعد الغزو الإيطالي لمدينة أجدابيا مقرِّ القيادة الليبية، أصبحت كلُّ المواثيق والمعاهدات مَلْغِيَّةً، وانسحب المجاهدون من المدينة، وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدَّة نحو الجبل الأخضر، وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار (المعسكرات)، والانضواء تحت قيادة عمر المختار، كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح، وعندما ضاق الإيطاليون ذرعًا من الهزيمة على يد المجاهدين، أرادوا أن يقطعوا طريق الإمداد؛ فسَعَوْا إلى احتلال الجغبوب، ووجَّهُوا إليها حملة كبيرة في (رجب 1344هـ= 8 من فبراير 1926م)، وقد شكَّل سقوطها أعباءً ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار، ولكنَّ الرجل حمل العبء كاملًا بعزم العظماء وتصميم الأبطال.

لاحظ الإيطاليون أن الموقف يُملي عليهم الاستيلاء على منطقة فَزَّان لقطع الإمدادات على المجاهدين، فخرجت حملة في يناير (1928م = 1346هـ)، ولم تُحَقِّق غرضها في احتلال فَزَّان بعد أن دفعت الثمن غاليًا، ورغم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم، فإن الأحداث لم تَنَلْ منهم وتُثَبِّطْ من عزمهم، فاشتبك معهم في معركة شديدة في (ذي القعدة 1346هـ= 22 من أبريل 1928م)؛ استمرَّت يومين كاملين، انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادًا كثيرًا.

مفاوضات السلام في سيدي أرحومة
توالت الانتصارات، وهذا الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها، وإجراء تغييرات واسعة، فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية؛ حيث عيّن بادوليو حاكمًا عسكريًّا على ليبيا في (رجب 1347هـ= يناير 1929م)، ويُعَدُّ هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الإيطاليين والمجاهدين.

تظاهر الحاكم الإيطالي الجديد لليبيا في رغبته للسلام؛ وذلك لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده، وطلب مفاوضة عمر المختار، تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م.

استجاب الشيخ لنداء السلام، وحاول التفاهم معهم على صيغة ليخرجوا من دوامة الدمار، فذهب كبيرهم إلى لقاء عمر المختار ورفاقه القادة في (11 من المحرم 1348هـ= 19 من يونيو 1929م) في سيدي أرحومة، ورَأَسَ الوفدَ الإيطالي بادوليو نفسه، الرجل الثاني بعد بنيتو موسوليني، ونائبه سيشليانو، ولكن لم يكن الغرض هو التفاوض، ولكن المماطلة وشراء الوقت؛ لتلتقط قوَّاتهم أنفاسها، وقصد الغزاةُ الغدر به والدسَّ عليه، وتأليبَ أنصاره والأهالي، وفتنة الملتفِّين حوله.

عندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه إمَّا مغادرة البلاد إلى الحجاز أو مصر، أو البقاء في برقة وإنهاء الجهاد والاستسلام مقابل الأموال والإغراءات، رفض كل تلك العروض، وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث؛ وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.

تبيَّن للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم، ففي (17 من جمادى الأولى 1348هـ= 20 من أكتوبر 1929م) وجَّه نداءً إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أمام ألاعيب الغزاة، وصحَّت توقُّعات عمر المختار؛ ففي (شعبان 1348هـ= 16 من يناير 1930م) ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين.

غرتسياني
دفعت مواقف عمر المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد، وتوصَّلت إلى تعيين غرتسياني؛ وهو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية؛ ليقوم بتنفيذ خطَّة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيلٌ في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها، وقد تمثَّلت في عدَّة إجراءات ذكرها غرتسياني في كتابه «برقة المهدأة»:
1- قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
2- إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.
3- فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية، ونصب المشانق في كل جهة.
4- تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الاعتقال والنفي والتشريد.
5- العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.

انتهت عمليات الإيطاليين في فَزَّان باحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م، ثم عمدوا إلى الاشتباك مع المجاهدين في معارك فاصلة، وفي 26 من أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طنٍّ من القنابل على الجوف والتاج، وفي نوفمبر اتَّفق بادوليو وغرتسياني على خطِّ الحملة من أجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف، وفي 28 من يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة، وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.

عمر المختار في الأسر
في معركة السانية في شهر أكتوبر عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الإيطاليين أوصلها إلى قيادته، فرآها غرتسياني فقال: «الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يومًا ما».

وفي 28 من ربيع الآخر 1350 هـ= 11 سبتمبر 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في الجبل الأخضر في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوَّاتٍ لحصاره، ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقان في وادي بوطاقة ورجحت الكِفَّة للعدوِّ فأمر عمر المختار بفكِّ الطوق والتفرُّق، ولكن قُتلت فرسه تحته، وسقطت على يده ممَّا شلَّ حركته نهائيًّا، فلم يتمكَّن من تخليص نفسه، ولم يستطع تناول بندقيته ليُدَافع عن نفسه، فسرعان ما حاصره العدوُّ من كلِّ الجهات وتعرَّفُوا على شخصيَّته، فنُقل على الفور إلى مرسى سوسة في الجبل الأخضر؛ ومن ثَمَّ وُضع على طَرَّادٍ (نوع من السفن الحربية السريعة) نَقَلَهُ رأسًا إلى بنغازي، حيث أُودع السجن الكبير بمنطقة سيدي أخريبيش، ولم يستطع الطليان نقل الشيخ برًّا لخوفهم من تعرُّض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.
كان لاعتقاله في صفوف العدوِّ صدًى كبيرٌ؛ حتى إن غرتسياني لم يُصَدِّق ذلك في بادئ الأمر، وكان غرتسياني في روما حينها كئيبًا حزينًا منهار الأعصاب في طريقه إلى باريس للاستجمام والراحة؛ وذلك هربًا من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في الجبل الأخضر، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه، والانتقادات المُرَّة تأتيه من رفاقه مشكِّكَة في مقدرته على إدارة الصراع، وإذا بالقدر يلعب دوره؛ ويتلقَّى برقية مستعجلة من بنغازي؛ مفادها أن عدوَّه اللدود عمر المختار وراء القضبان. فأُصيب غرتسياني بحالة هستيرية كاد لا يُصَدِّق الخبر، فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشيًا على قدميه محدِّثًا نفسه بصوتٍ عالٍ، ويُشير بيديه ويقول: «صحيح قبضوا على عمر المختار؟! ويردُّ على نفسه: لا، لا أعتقد»، ولم يسترح باله فقرَّر إلغاء إجازته واستقلَّ طائرة خاصَّة، وهبط في بنغازي في اليوم نفسه، وطلب إحضار عمر المختار إلى مكتبه لكي يراه بأمِّ عينيه.

الأسد أسيرًا
وصل غرتسياني إلى بنغازي يوم 14 من سبتمبر، وأعلن انعقاد المحكمة الخاصة يوم 15 سبتمبر 1931م، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرتسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر غرتسياني في كتابه (برقة المهدأة): «وعندما حضر أمام مكتبي تهيَّأ لي أن أرى فيه شخصيَّة آلاف المرابطين، الذين التقيتُ بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية؛ يداه مُكَبَّلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أُصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطًا؛ لأنه كان مغطِّيًا رأسه (بالجَرِد (1) ، ويجرُّ نفسه بصعوبة نظرًا لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يُخَيَّل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال، له منظره وهيبته؛ رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي، نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح».

غرتسياني: لماذا حاربت بشدَّة متواصلة الحكومة الفاشستية؟
أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
غرتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟
فأجاب الشيخ: لا شيء إلَّا طردكم.. لأنكم مغتصبون، أمَّا الحرب فهي فرض علينا، وما النصر إلَّا من عند الله.
غرتسياني: لما لك من نفوذٍ وجاهٍ، في كم يوم يُمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويُسلموا أسلحتهم؟
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أيَّ شيء، وبدون جدوى نحن الثوَّار سبق أن أقسمنا أن نموت كلُّنا الواحد بعد الآخر، ولا نُسَلِّم أو نُلقي السلاح.
ويستطرد غرتسياني حديثه: «وعندما وقف ليتهيَّأ للانصراف كان جبينه وضَّاءً؛ كأنَّ هالة من نور تُحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية، ولُقِّبْتُ بأسد الصحراء، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أنطق بحرفٍ واحدٍ، فأنهيتُ المقابلة، وأمرتُ بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء، وعند وُقوفه حاول أن يمدَّ يده لمصافحتي؛ ولكنه لم يتمكَّن؛ لأن يديه كانت مُكَبَّلة بالحديد».

محاكمة عمر المختار
عُقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي، مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 من سبتمبر 1931م، وبعد ساعة تحديدًا صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت.

عندما تُرجم له الحُكْم، قال الشيخ: «إن الحكم إلَّا لله.. لا حكمكم المزيف.. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».

إعدام عمر المختار
في صباح اليوم التالى للمحاكمة الأربعاء (16 سبتمبر 1931م= غُرَّة جمادى الأولى 1350 هـ)، اتخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحُكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، وأُحضر 20 ألفًا من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصًا من أماكن مختلفة؛ وذلك لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم، وأُحضر الشيخ عمر المختار مُكَبَّل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر، وبدأت الطائرات تُحَلِّق في السماء فوق المعتقلين بأزيزٍ مجلجلٍ؛ حتى لا يتمكَّن عمر المختار من مخاطبتهم.
وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا سُلِّمَ الشيخ إلى الجلاد، وكان وجهه يتهلَّل استبشارًا بالشهادة، وكله ثبات وهدوء، فوُضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كانوا على مقربة منه: إنه كان يُؤَذِّن في صوت خافت أذان الصلاة. والبعض قال: إنه تمتم بالآية الكريمة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27، 28]. ليجعلها مسك ختام حياته البطولية، وبعد دقائق صَعِدَتْ رُوحه الطاهرة النقيَّة إلى ربِّها تشكو إليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.

سبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الحزم بتعذيب وضرب كلِّ مَنْ يُبدي الحزن أو يُظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضُرب جربوع عبد الجليل ضربًا مبرحًا بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار، ولكن عَلَتْ أصوات الاحتجاج، ولم تكبحها سياط الإيطاليين، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما أُعدم الشيخ، ووصفها الطليان «بالمرأة التي كسرت جدار الصمت».

أمَّا المفارقة التاريخية التي أذهلت المراقبين فقد حدثت في سبتمبر 2008م، عندما انحنى رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني -وفي حضور الزعيم الليبي معمر القذافي- أمام ابن عمر المختار معتذرًا عن المرحلة الاستعمارية وما سبَّبته إيطاليا من مآسٍ للشعب الليبي، وهي الصورة التي قُورنت بصورة تاريخية أخرى يظهر فيها عمر المختار مكبَّلًا بالأغلال قُبيل إعدامه.

آخر كلمات الشهيد عمر المختار
كانت آخر كلمات عمر المختار قبل إعدامه: «نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت.. وهذه ليست النهاية.. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه.. أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي».

المصدر: موقع قصة إسلام

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

didat

الشيخ الداعية أحمد ديدات

لم يحظ هذا الفتى بنصيب وافر من التعليم إلا ما حصل عليه من المعلومات الضرورية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *