مصانع الشمس

مصانع الشمس

التقيت بوفد اقتصادي سويسري زار المنطقة العربية بغرض الاستثمار والترويج لمشاريع بلاد جبال الألب. بدأت حديثي بأن الصورة الذهنية حول المنتجات والخدمات السويسرية تتمثل في ثلاثة مجالات هي:  القطاع المصرفي، والساعات السويسرية، وتصنيع الشيكولاتة، وبادرتهم بالسؤال: هل ما زال ذلك سائدًا، أم في أي مجال – كـدولة – تركزون الآن؟.

بادرني رئيس الوفد بمفاجأة لم أكن أتوقعها، حين قرر أن سويسرا كدولة لم تهمل هذه المجالات الثلاثة، بل يمنحون الأولوية للتركيز في مجالين حيويين:

  • الأول: هو صحة الإنسان؛ مثل إنتاج الأدوية، وإنشاء وإدارة العيادات والمراكز الصحية والعلاجية والمستوصفات، والمستشفيات.
  • الثاني: هو الطاقة المتجددة؛ مثل توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح والماء وخلافه.

وأعجبني تعبيره: لقد جئنا إليكم لنعرض فرص إنشاء مصانع توليد الكهرباء من الشمس الغنية التي تنعم بها بلادكم.

أثار ذلك الحوار المقتضب الشجون بداخلي، وتذكرت حالنا في بلادنا العربية؛ حيث نفتقد هويتنا الاستثمارية، وفي أي مجال، أو مجالات يجب أن نُسخِّر جهودنا وإمكانياتنا بدءًا من التعليم ومرورًا بالتدريب والتأهيل، ووصولًا إلى البحث والتطوير؛ ومن ثم تحويل هذه البحوث إلى منتجات متميزة تسهم في نهضة اقتصادنا.

تذكرت أيضًا إمبراطورية “ميم”؛ ذلك الحرف الذي يبدأ بأفكار مشاريع الشباب التقليدية: مطعم، مقهى، مغسلة، وحتى الشابات: مشغل !!

النقطة الأخرى التي توقفت عندها، هي “صحة الإنسان” التي تُركز عليها سويسرا، فشيدت مراكز الأبحاث، والمدن العلمية، وقدمت الكثير من الحوافز للاستثمار في هذا المجال لوضع الشركات السويسرية على قمة الشركات العالمية في هذا المضمار.

من منا لم يسمع بشركات عملاقة مثل شركة “رُوش” التي بلغ إجمالي مبيعاتها لعام 2015، أكثر من 50 مليار دولار، ويعمل بها حوالي 92 ألف موظف، وشركة “نوفارتس” التي بلغ إجمالي مبيعاتها السنوية قرابة 58 مليار دولار ويعمل بها 120 ألف موظف، وغيرها من شركات الأدوية السويسرية التي تستحوذ على النصيب الأوفر من سوق، أتصور أنه ضمن أهم الأسواق على الصعيد العالمي وأكثرها ربحية.

أما الخدمات الصحية، وشركات الأجهزة الطبية، والمنتجعات الصحية، والمراكز العلاجية، فهي الأخرى كما أسلفت ضمن اهتمامهم بصحة الإنسان؛ إذ نجح السويسريون في إنشاء تجمعات لهذه الصناعات المتخصصة؛ حيث هناك كانتون برن (الكانتون هو تقسيم إداري فيدرالي)، على مساحة تبلغ 6000 كيلومتر مربع، محتضنًا 320 شركة متخصصة بحجم استثمار يصل إلى ملياري يورو تمثل ثلث شركات التكنولوجيا الطبية السويسرية القائمة على الابتكار والإبداع والموجهة للتصدير، يعززها جامعة برن التي تحتضن مراكز أبحاث متخصصة في هذا المضمار، أحدثها مركز أبحاث الهندسة الطبية للأعضاء الصناعية.

يتضمن الكانتون جيشًا من الفنيين، والمهندسين الطبيين، المؤهلين تأهيلًا عاليًا  في مجالات محددة؛ مثل القلب والأوعية الدموية، والنظم الحركية، والعظام، والأمراض العصبية، والعيون والأسنان.

وبهذا التركيز ووضوح الرؤية، لم أتعجب كون سويسرا التي يبلغ تعداد سكانها 8 مليون نسمة فقط، من أكثر بلدان العالم ثراءً، حسب دخل الفرد، الذي يقدر بنحو 82,178 دولار، علاوة على أن مدينتي زيورخ وجنيف في مقدمة أعلى مستوى للحياة على مستوى مدن العالم.

وبالعودة إلى بلادنا، نحتاج إلى رؤية وأهداف استراتيجية واضحة، تقرر مجالات محددة، يمكن التركيز عليها ونتميز فيها. إن أمتنا العربية من الأمم الفتية؛ أي يمثل الشباب فيها الغالبية العظمى؛ إذ تبلغ نسبتهم60%، وهي أكبر ميزة نسبية يمكن أن تساعدنا في تحقيق حلم الوصول لأعلى سلم الأمم المتقدمة، ولكن هل تم الاستفادة من هذه الطاقات الجبارة بالصورة المثلى ؟. لا أعتقد.

يظل الطريق طويلًا لإعطاء الفرصة للشباب لبناء أوطاننا، بعد تسليحهم بالعلم والمعرفة، وأدوات الاستثمار في صناعات المستقبل؛ مثل تقنيات النانو، والتقنية الحيوية، والهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الفضاء، و”مصانع الشمس”.

عن نبيل محمد شلبي

د. نبيل محمد شلبي رئيس دار المستثمر العربي

شاهد أيضاً

الادارة-التسويقية-و-البيئية

الإدارة البيئية والتسويقية لمشروعات ريادة الأعمال

قامت المملكة العربية السعودية بجهود ملحوظة في الحفاظ على البيئة وزيادة الوعي البيئي، وكانت من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *