لماذا لا تجني أرباحًا رغم نجاح مشروعك؟!

“معدل المبيعات مرتفع، والربح يفوق ما نستهدفه حسابيًا، لكن ندخل في نوبات عدم استقرار مالي، مع عدم الشعور بهذه الأرباح على المستوى الشخصي”. كانت هذه شكوى رائد أعمال مبتديء ومؤسس مشروع ناشيء وواعد، تلخَّصت في أنَّ معدل المبيعات ارتفع بنسبة ١٠٠٪ عن العام الماضي، كما يسير هامش الربح بشكل جيد، ووفق المتوقع، ولكنه لا يرى ذلك الربح كشيء مادي ملموس ينتعش به حسابه الشخصي، فضلًا عن دخول الشركة في نوبات مالية غير مستقرة، تصل أحيانًا إلى الاقتراض لتسيير الأعمال.

منهج التخطيط المالي

ومن خلال عملي ومتابعتي للمشاريع والشركات الناشئة، لاحظت أن تلك الشكوى تأتي في المرتبة الأولى من حيث المشكلات التي يعاني منها معظم رواد الأعمال في الوطن العربي، فالمشكلة هنا – بعد التحليل والدراسات – أن ملاك هذه الشركات لا ينتهجون منهج التخطيط المالي والموازنات العامة للمصروفات، فنجدهم معدل السيولة يرتفع تارةً، وينخفض تارةً أخرى، بل وينعدم أحيانًا؛ لدرجة تجعلهم يتخذون إجراءات سلبية كوقف مرتبات الموظفين، والاتجاه للاقتراض، وتأجيل سداد المستحقات، والخلط بين حساباتهم الخاصة وحسابات الشركة؛ لتكون المحصلة في النهاية خلق حالة من التخبط المالي والإداري، وعدم الاستقرار، رغم نجاح الشركة وتزايد إيراداتها، وهامش أرباحها!.

 

خمسة أسباب

وبالوقوف على أسباب هذه المشكلة، نجدها لا تخرج غالبًا عن ذلك الإطار؛ وهو: 1. عدم انتهاج منهج التخطيط المالي المسبق.

  1. العمل وفق الاحتياجات الزمنية الأولية تحت غطاء غير منظم وعشوائي.
  2. عدم جدولة المستحقات المطلوبة وفق مخطط زمني محدد وواضح، وربطها بالمخطط الزمني للإيرادات (المؤكد والمتوقع).
  3. عدم وضع مخصصات وموازنات منفصلة لكل إدارة أو مهمة ينفق في إطاره تنفيذ مهمات العمل، كالإنفاق على التسويق والتوسع في الأعمال والصيانة وغيره من المهام.
  4. خلط الحسابات الشخصية لمالك الشركة بحسابات الشركة، كالدخول في طور السلف والتسليف بين حسابات الشركة وحسابات الشركات الأخرى التابعة لمالك واحد. ليس هناك مانع من تبادل الدعم بين شركات المالك، لكن وفق حسابات دقيقة مع وضع استرداد مبالغ الدعم وفق جدولة زمنية محكمة.

 

وعن السبب الشائع في معظم المنشآت والمؤسسات بمختلف أحجامها؛ هو عدم وضع حد أدنى للسيولة المالية الواجب توافرها ووضعها كخط أحمر، كل ما تم الاقتراب منه، كل ما زاد نشاط الإدارة للإسراع في توفير السيولة اللازمة للابتعاد عن ذلك الحد.

وضع خطة مالية

ووفق الأسباب السابقة، يتمثل الحل في وضع خطة مالية على رأس كل عام- بغض النظر عن حجم الشركة- تتضمن أهدافًا واضحة وأدوات تنفيذها، وتحليل SWOT لنقاط القوة والضعف حسب الإمكانيات والأدوات المتاحة للمنظومة المالية للشركة، وفرصها لإنجاح تلك الخطة والتهديدات التي قد تعوقها، ودارسة المخاطر التي قد تواجه الخطة المالية بالتحديد، والتصورات الواقعية الفعلية للتعامل مع تلك المخاطر كفرض الاتجاه للتمويل البنكي، أو تسييل بعض الأصول وغيرها من الحلول.

كذلك، يجب إلحاق الخطة المالية بجدول زمني لتحقيق تلك الأهداف، ووضع معايير تقييم لمدى إنجاز أهدافها، وآلية رقابة أدائها وفق توقيتات زمنية محددة، وتقويم مسارها بشكل دوري.

جدولة الإيرادات

الخطوة الأخرى الواجب اتخاذها؛ هي ضرورة وضع جدولة للإيرادات الأكيدة وكذلك المتوقعة، وتوقيتات تحصيلها، وربطها بجدول الالتزامات المالية بدقة وبشكل محدد وواضح زمنيًا، وربط تلك الالتزامات بمخصصات محددة مرنة؛ للوفاء بتلك الالتزامات، مع الفصل الدائم بين حسابات الشركة وحسابات المالك، سواء الحسابات الشخصية أو حسابات الشركات الأخرى التابعة له، وجدولة المستحقات بين تلك الحسابات زمنيًا في حالة دعم شركة لأخرى، والالتزام بها كليًا، ووضع مخصصات لها للوفاء بالسداد.

ولتفادي استعجال صرف الأرباح قبل تحقيقها، يجب تخصيص راتب شهري لمالك الشركة، سواء بصفته مديرًا عامًا لها أو بصفته مالكًا، على أن يكون متناسبًا مع الخطة المالية، وإمكانيات مخصصات الرواتب؛ وهو الأمر الذي يتم تجاهله بشكل عام في ثقافة رائد الأعمال العربي.

 

من المهم أيضًا، جدولة صرف الأرباح الخاصة بالمالك ككل بشكل ربع سنوي، أو نصف سنوي، أو وفق تصور مناسب، ولاسيَّما الشركات الناشئة والمتوسطة؛ للسيطرة على السيولة المالية لتسيير الأعمال، ووضع متنفس لتوسيع الانشطة والأعمال.

ومن الأمور التي يتم تجاهلها بشكل عام في معظم الشركات- وخاصة الناشئة- عدم وضع حد أدنى للسيولة المالية؛ لذا يجب وضع هذا الحد الأدنى، بما يتناسب مع طبيعة النشاط والتكاليف التشغيلية الواجب توافرها؛ للحفاظ على سير العمل والإنتاج، دون توقف؛ وذلك في إطار خطة مالية محددة، والالتزام كليًا بذلك الحد، إضافة إلى تطوير ذلك الحد، والعمل على رفعه سنويًا ولو بمعدل بسيط، مع وضع تدرجات إنفاق معينة وفق أهمية الأولويات الواجبة عند الاقتراب منه.

 

عليك- كرائد أعمال- مهما واجهت من مصاعب، البحث والدراسة وانتهاج المناهج العلمية السليمة والتشبث بحلمك، فدربُ النجاح طويل وصعب؛ فتحلَّى بشغف التطوير الثقافي والعقلي، وتسلَّح بالمناهج العلمية خلال سيرك في دربه؛ لكي تستمتع بما أنجزت.

عن محمد عبدالرحيم

مطور أعمال

شاهد أيضاً

القائد..والمهارات المطلوبة

لا شك في أن القائد يجب أن يتميز بصفات، أو مهارات تساعده على التأثير في …

2 تعليقان

  1. اولا جزاك الله خيرا علي التصور الجميل لوضع النشاط الاقتصادي في الوطن العربي تحديدا وذلك لان اغلب المشاكل التي ذكرتها موجوده في هذه الشرق الاوسط .
    كما ذكرت يجب وضح حد فاصل بين المنشاءه وصاحبها اعتبارا بمعيار الشخصيه الاعتباريه للمنشاءه .
    كما يجب وضع حدود للسيوله سواء حد ادني او حد اقصي – حد ادني لكي لا تصاب المنشاءه بنوبات تعسر او عدم القدره ع الوفاء بالالتزامات وحد اقصي حتي يتسني الاستفاده بالسيوله كتوسيع النشاط علي سبيل المثال
    ايضا ما ينعدم فالنشاط فالوطن العرب عدم توزيع الارباح والخلط بين حسابات صاحب المنشاءه بالمنشاءه وهو سبب من اسباب عد استقرار السيرله
    وعليه يجب الاهتمام بالتخطيط سواء تخطيط بعيد المدي والتخطيط قصير المدي لكي يتم التحكم بالوفاء بالالتزامات علي المدي القصر وكذلك توسيع النشاط علي المدي الطويل الاجل
    وعليه نجد كثير من المنشاءات كما تبدا كما تنتهي لا تكبر ابدا وذلك لانعدام التخطيط .
    في النهايه احب اقولك مقال جميل واستمر دراستك ممنهجه ولمست واقع مهم جدا في النشاط الاقتصادي فالشرق الاوسط .
    اخوك محمد شندي 👌🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.