كيف نواجه الإيقاع السريع للسوق

النهاية تكون وشيكة عندما يفوق معدل التغيير خارج الشركة عن معدل التغيير بداخلها.
” جاك ويلش “

قد تتطور الأسواق في وقتنا الحاضر بسرعة يصعب تصديقها. وقد أصبح من الممكن انتشار الأفكار والتخطيطات الجديدة والمقاييس والتطلعات على نحو كان فيما مضى قاصرا على عالم الأزياء والموضة. السرعة رهن إمكانية التواصل بين الأفراد من خلال التكنولوجيا وظهور المجتمعات اللامكانية ورغبة المستهلكين المستمرة في الحصول على أحدث الأجهزة وأفضلها وأكثرها تميزا وأصغرها حجما وأكبرها سرعة.

بالمثل كان الوضع بالنسبة للمنتجات؛ فالتطور والتغير السريع والمتكرر لسوق وسائط تخزين البيانات أوضح كيف تم الاستغناء عن الأقراص المرنة الكبيرة باستخدام أقراص أصغر حجماً، ثم الاستغناء عن الأخيرة بالأسطوانات المدمجة ثم الاستغناء عن الأخيرة بأجهزة “يو إس بي”. كل جهاز جديد كان له مزايا هائلة، حيث كان يزيد من مساحة التخزين عدة أضعاف وكان يأتي بحجم أصغر وسعر أرخص وأكثر ملاءمة من الاحتياجات. وبمجرد طرح الجهاز الجديد في السوق، يرغب الجميع من كل حدب وصوب في الحصول عليه، وضغطة زر واحدة من داخل موقع أمازون كفيلة بتوصيله إليك في خلال أيام.

لذلك يجب الإشارة إلى تأثير الشبكات والأثر التشعبي للاتصالات القائمة بينها وسرعة تداول وانتشار الأفكار الجديدة. فقد أطلقت شركة مايكروسوفت موقع هوتميل (Hotmail) كخدمة بريد إلكتروني مجانية على الإنترنت، وسرعان ما انتقلت الخدمة من مرحلة الإصدار إلى الريادة، وهذا بدون أي تسويق تقليدي لبدء تشغيل الخدمة.
مثال آخر قد يطرح مصنعو السيارات طُرُز جديدة كل عام، وأحيانا إصدارات جديدة كل ثلاثة أشهر، بينما في عصر هنري فورد كانت دورة حياة الطرز تمتد إلى نحو عشر سنوات.

وأيضاً بالنسبة لمحال بيع الأزياء والملابس مجموعات جديدة مرة كل موسم على الأقل؛ وإن كان العرف الآن يشير إلى أن مواكبة الموضة تقتضي وجود مجموعة جديدة كل بضعة أسابيع. قم بزيارة لأحد متاجر زارا (ZARA) ثم كرر الزيارة مرة أخرى بعد بضعة أسابيع لتجد أن احتمالية العثور على الملابس نفسها والأزياء التي وجدتها في الزيارة الأولى ضعيفة للغاية. عليك اتخاذ القرار الآن وإلا ستفوتك الفرصة.

يمكن ملاحظة السرعة غالباً على هيئة “دوامات” داخل السوق لتشبه إلى حد ما مرتفعات ومنخفضات الضغط الجوى المتحكمة في أنظمة الطقس والجو. والاختلاف أن هذه الدوامات من صنع البشر أو ناتجة عن المنافسة واستجابات العملاء لإجراءات متعمدة. تنشأ كل دوامة عن تغير وتطور كبير وتحدث أثرا كبيرا في محيطها. ومع ظهور فكرة جديدة، تنتج الدوامة القوة الدافعة وتعمل قوة الطرد المركزية التصاعدية للدوامة على سحب المنافسين القريبين والأسواق المجاورة للدخول في نطاقها.
والسؤال الآن كيف تجاري الإيقاع والمعدل السريع للأسواق، وكيف يمكنك استباق منحنى التغير بدلاً من السير خلفه؟
ويكمن السر هنا في ربط إيقاع المشروع بإيقاع السوق. يوجد بالفعل إيقاع لكل مشروع وعادة ما يكون هذا الإيقاع محكوما بدورة التخطيط الداخلية بالمشروع، التي في المعتاد تكون حدثاً سنوياً يتكرر على مدار 3 إلى 5 سنوات. يتم التحكم في دورة تطوير المنتج داخلياً بواسطة معدل تكرار أبحاث السوق وتعقيد عمليات تطوير المنتج وطرحه بالأسواق. وعلى الصعيد الخارجي، قد يتم التحكم في الإيقاع بواسطة أحداث على مستوى المجال أو الصناعة. فالتعجيل بعمليات تطوير المنتجات يمكنه خفض الوقت اللازم للتسويق بمعدل كبير، والمزيد من جهود تصميم وحدات العمل قد يمكّن مخططي المشروع أنفسهم من الإسراع من عملية التخطيط وبالتالي اغتنام الإمكانات والفرص الجديدة في السوق. فبإمكان الشركات الأكثر نجاحا ضبط الإيقاع بما يصب في مصلحتها – وسواء كان الإيقاع سريعا أو بطيئا سيمكنها من ممارسة النفوذ الذي يحدد كيفية تصرف الآخرين وتفاعلهم. فبوسع أرماني (Armani) التأثير في منظمي عروض الأزياء، وبإمكان نوكيا التأثير في سلاسل محال البيع بالجملة، ويتأثر المنظمون بدرجة كبيرة بالرواد القادرين على قيادة ودفع الأنظمة الاقتصادية.

وفي الواقع، فبدلا من المزامنة بين العمل التجاري والسوق، قد يسعى صاحب الريادة إلى إنشاء إيقاع أسرع قليلا من السوق، بحيث يقود حركة التغيير بدلا من أن يندرج في مرتبة متأخرة، وهو بذلك يضع نفسه ضمن فئة المبتكرين وليس المقلدين.
قصة نجاح “ستار باكس”
“ستار باكس” هو اسم شخصية من الرواية موبي ديك وظهر الاسم لأول مرة عام 1971م، وكان عندئذ مجرد اسم على زورق صيد في ميناء سياتل. وإنما الحال تبدل ليصبح الاسم يمثل متجراً لحبوب القهوة في سوق بايك بليس ماركت.
وبعد هذا التاريخ بعشر سنوات، حضر هاورد شولتز للعمل كمدير للتسويق بالشركة ليعمل على تحويل الاهتمام من عملية طحن حبوب القهوة إلى فكرة مقاهي تقدم مشروب الإسبرسو على الطريقة الإيطالية تحت شعار “المتعهد الأول لتقديم أطيب مشروب قهوة في العالم.
عندئذ بدأت مرحلة الانتشار لمقاهي ستاربكس. تم تصميم المحال تحت شعار “المكان الثالث” حيث تزعم “ستار باكس” بأن “الأماكن ثلاثة، حيث يوجد المنزل والعمل وأخيراً “محل ستار باكس”.
أدرك شولتز أن عقد شركته لصفقات مع خطوط الطيران في محال البيع بالتجزئة والشركات، بحيث تقدم ستار باكس مشروباتها داخل منشآتهم، سيكون وسيلة سريعة لتحقيق النمو والانتشار.

و يعلق شولتز بأنه لا يوجد أسرار خفية وراء نجاحه قائلا:-
“لم نقم بتسجيل براءة الاختراع لأي من منتجاتنا وجميع ما نقدمه يمكن تقليده بواسطة أي شخص آخر… لكنه سيعجز عن تقليد قلب وروح الشركة، وهما ما أوجدهما الأفراد. والأفراد هم الذين يدركون ما يفعلونه وأهمية تقديم تجربة خاصة مميزة لكل عميل وكيفية تحويل مكان العمل إلى المكان الثالث الخاص بهم”.
كل موظف يعمل لأكثر من 20 ساعة أسبوعيا، وهو ما يحدث مع معظم الموظفين، يحصل على حصة من أسهم الشركات وبالتالي، يزداد شعوره بأنه جزء من رسالتها ومشارك في نجاحها. وفي الواقع لقد أصبح عديد من موظفي “ستار باكس” من أصحاب الملايين على مر مراحل نموها.
كما تطور العملاء بالمثل مع نضوج “ستار باكس” وزيادة حجمها. فأصبح الآن هناك مزيج متنوع يجمع بين العملاء الشباب والفئات العمرية الأكبر، ومن جميع الخلفيات الثقافية الذين اجتذبهم مشروب القهوة والمكان.
يحرص شولتز على زيارة المقاهي التي يمتلكها ومقاهي المنافسين في جميع أنحاء العالم. وفي المقاهي التي يمتلكها، يشرب في المعتاد خمسة أكواب من القهوة يومياً بتنويعات مختلفة وفي أوقات مختلفة. ومع ذلك، لا يشرب القهوة لدى منافسيه مطلقاً حيث يتعلق بازدراء “أنا أعرف كيف سيكون مذاقها”.
بالطبع، “ستار باكس” لا تخلو من عوامل النقص، وأشهر مثال على ذلك ما ذكرته ناعومي كلين (Naomi Klein) في كتابها لا شعار (No Logo)، الذي على الرغم من إبداء إعجابها وتقديرها للعديد من الجوانب الإيجابية للتسويق والعلامات التجارية العالمية الآخذة في الازدهار، إلا أنها حذرت من احتمالية تعرضه للازدراء الثقافي والهيمنة التجارية. وفي الواقع، كانت “ستار باكس” حريصة على تقديم القهوة الحاملة لشعار “التجارة العادلة” والتأكد من تحليها بالمسؤولية سواء محليا أو عالميا.
تحدد “ستار باكس” هدفها في تقديم تجربة راقية تثرى حياة العملاء يوميا، وهى تسعى إلى ذلك من خلال ترسيخ مكانة “ستار باكس” بصفتها “المتعهد الأول لتقديم أطيب حبوب القهوة عالميا، في الوقت الذي نحافظ فيه على مبادئها التي لا يمكن التنازل عنها أثناء الانتشار والنمو”.

دوامة السوق:

كيف يمكنك تحقيق الريادة في عالم سريع التغير والتحول؟ كيف يمكنك التواجد في صدارة موجات التغيير في السوق بدلاً من الرضا باحتلال مكانة متأخرة؟ كيف يمكنك توجيه دوامة التغيير وفقا لرؤيتك بدلا من ترك الأمور رهنا لإدراك ووعي الآخرين؟.

اتبع هذه الخطوات لمواجهة دوامة السوق:

1- ضع تصوراً لمستقبل السوق

ضع مخططاً بأهم التغيرات التي طرأت على السوق في مجالك على مدار السنوات العشر الأخيرة مثل اللاعبين الجدد وانخفاض المعايير.

2- حدد الموجهات الرئيسة للتغيير

ضع تقيماً لأهم موجهات التغيير المعتادة في الأسواق الحالية أو المستقبلية.

3- ما الأثر الذي قد يترتب على ذلك؟

حدد أهم الأحداث التي تنذر بالتغيير والمحتمل حدوثها، ومعدل تكرارها، والكيفية المحتمل بها استجابة المنافسين.

4- ما المكانة التي قد تشغلها؟

قم بتقييم التغيرات المحتملة، وأي منها قد تستطيع التأثير عليه بفاعلية أكثر ليصبح العنصر المحرك للسوق المدر للربح.

5- قم بإنشاء دوامة تغيير جديدة

قم بإنشاء دوامة تغيير في السوق بحيث تعيد تعريف السوق من خلال توجهات ومقاييس جديدة.

6- قم بتغيير إيقاع الشركة

فكر في الكيفية التي يجب عليك اتباعها لتغيير إيقاع دورة مشروعك لتربطه بالتغيير الذي يطرأ على السوق.

عن بيتر فيسك

شاهد أيضاً

أساليب مبتكرة لـتسويق المشاريع الصغيرة

أكثر ما يحلم به رواد الأعمال، هو تأسيس قاعدة قوية ودائمة بمن يُمكن الرجوع إليهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *