كيف تصبح مؤثرًا في غيرك؟

لنتخيل معًا بعض المواقف التي تحصل لنا طوال الوقت، حين نلتقي بأشخاص نشعر تجاههم بالإعجاب والحب ونرغب في التواصل  معهم،  أو في مخالطتهم اجتماعيًا، ولكن لا نجد اهتمامًا متبادلًا، فنترك المكان، ونتساءل داخلنا: كيف رآن  الآخرون؟  وهل كانت تصرفاتي غريبة ؟  هل كنت ثرثارًا؟  هل تحدثت بطريقة غير مهذبة ؟ هل أطنبت في إطلاق النكات غير المسلية؟.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الحالات  والانطباعات التي تبقى لدى الآخرين، يقع نسيانها في غالب الأحيان، لكن قد يكون لها تأثير كبير في حياتنا، سواء الشخصية، أو الاجتماعية، أو المهنية.

يسعى كل منا لأن يكون مؤثرًا في الآخرين بترك  أفضل الانطباعات، فالمعرفة في جانب الاتصال والتواصل هامة جدًا  للنجاح في الحياة، فهي لا تُعلَّم في المدارس، فكيف إذًا تصبح مؤثراً في غيرك؟.

إن الإنسان اجتماعي بطبعه، فالشخص الطبيعي يقضي ما بين 50% إلى 80 % من وقت يقظته في الاتصال؛ إذ أكدت أحدث الأبحاث على أن 85% من نسبة نجاح الشخص في عمله مرتبطة أساسًا بالاتصال والتواصل مع الآخرين. وقد أجمع  مشاهير العالم  والعظماء منهم- في شتى المجالات- على أن تحقيق الأهداف الفردية لا يتم دون التعاون مع الآخرين.

اتصال وتواصل
قد يتساءل البعض: ما معنى اتصال وتواصل؟

الاتصال هو عملية نقل هادفة للمعلومات، من شخص إلى آخر، بغرض إيجاد نوع من التفاهم المتبادل بينهما. وهو أيضًا أي فعل يمكن استخدامه عن طريق شخص أو أشخاص بهدف التأثير على سلوك الآخرين، وإحداث الاستجابة المطلوبة. وتتكون عناصر الاتصال  من مرسل (وهو مصدر  الرسالة أو النقطة التي تبدأ عندها عملية الاتصال )، ومستقبل ( وهو الجهة أو الشخص الذي توجه له الرسالة  ويستقبلها من خلال أحد أو كل حواسه المختلفة ويقوم  بتفسير رموزها ويحاول إدراك معانيها)، والرسالة (وهي الموضوع أو المحتوى أو المعاني أو  الأفكار التي يريد المرسل نقلها إلى  المستقبل، ويتم التعبير عنها عادة بالرموز اللغوية أو اللفظية أو غير اللفظية أو بها جميعًا )، والوسيلة  ( الطريقة أو القناة التي تنقل بها الرسالة من المرسل إلى المستقبل)، والتغذية الراجعة  feedback(إعادة إرسال الرسالة من المستقبل إلى المرسل واستلامه لها وتأكده من أنه فهمها) .
الاتصال الفعال

 إذًا، لكي  يكون التأثير ناجحًا، ينبغي الاجابة عن السؤال التالي: هل الاتصال الفعال لفظي، أم صوتي، أم بصري؟

يجيب عن هذا السؤال العالم الأمريكي  ألبرت ميهارابيان بجامعة هارفارد، الذي اكتشف سنة 1967 أن 93% من عملية الاتصال تكون غير لفظية؛ إذ تمثل  الكلمات  7% فقط من  نسبة التأثير  في عملية الاتصال، بينما يأتي تأثير 38 %   في عملية التواصل من نبرة  الصوت، وأخيرًا لتعبيرات الجسم نصيب الأسد في إنجاح الاتصال بنسبة 55%؛ الأمر الذي يدلل على قيمة لغة الجسد  والمظهر الخارجي في تحديد نسبة مهارة الشخص عند تبادل الآراء والأفكار والمشاعر.

 فلكي تكون مؤثرًا  في الغير، أجب عن هذه الأسئلة :

1- كيف تتقن فن الكلام ؟

2-كيف تتقن فن الإنصات ؟

3-كيف تبتسم؟

4-كيف تتقن فن لغة جسد ؟

5–كيف تراعي حالة المخاطب؟

6- كيف تتعامل مع الرأي الآخر؟

قبل الخوض في باب المهارات والإجابة عن الأسئلة  الستة المحورية، اعلم أن الاتصال قد يكون مباشرًا ( اتصال فرد بفرد، أو بمجموعة محدودة من الأفراد، أو اتصال فرد أو عدة أفراد بمجموعة كبيرة مثل الندوات ) أو غير مباشر ( مثل الراديو والتلفاز والإنترنت، والصحف) وفي كلتا الحالتين، يجب معرفة الإجابة المثالية عن الأسئلة  السابقة لضمان فاعليتها. ولنستهل الإجابة عن سؤال:

كيف تتحدث؟  ( خاصة في أول مقابلة)

اجعل الأفعال دائمًا أقوى من الكلمات؛ وذلك بتحية من تحاور، وبروح مرحة، وأن تعرِّف بنفسك وتذكر اسمه. دع فقرتك الافتتاحية تسترعي انتباهه باستخدام نبرة صوت هادئة  مع عدم استخدام عبارة “يجب عليك…” ، ما لم  تكن مديره في العمل، مع الحذر من عدم إجراء محادثة مع شخص  أنت في حوار مع غيره، حتى وإن لم تكن في أحسن حالاتك؛ إذ يجب ألا ينعكس مزاجك على صوتك أثناء الحوار.

كذلك، تجنب استعمال ضمير” أنا ” بإطناب وعدم تناول الأكل والشرب ( في مقابلة رسمية في العمل). وإليك بعض النصائح لتطوير أسلوبك في الكلام :

  1. استمع جيدًا إلى المتحدثين المشهورين بالقدرة على التأثير في مستمعيهم، ثم اختر لنفسك  طريقة خاصة بعد ذلك.
  2. اطلب من بعض من حولك أن يسجل كلامك دون علمك، ثم استمع إلى نفسكوانقد طريقتك في الكلام، واطلب من غيرك أن يقيمك.
  3. بعد كل مرة تعتلي فيها منبرًا، حاول تسجيل ما تراه من ملاحظات على كلامك، ثم اجتنبها في حديثك القادم.

كيف تتقن فن الإنصات ؟ 

 إن  الإنصات هو الاستماع بالأذن، والإبصار بالعينين، والانتباه والتركيز  بالعقل والقلب، فالاستماع الجيد هو التواصل بعينه ( طرح أسئلة  من المستقبل ). ولكي تحسِّن من طريقة إنصاتك، يجب تركيز الذهن والعين والفكر فيما يقول  المرسل،  طرح أسئلة  لتوضيح الفكرة وتلخيصها في نهاية الحديث، تدوين ما تسمعه حتى تلم بأفكاره ( المرسل) ( في حالة الدراسة أو اجتماعات العمل ) ، استخدام بعض العبارات مثل ” نعم..آه..إمم…”؛ لتشعر المتحدث بأنك منصت إليه ومهتم بما يقول، خاصة أثناء المكالمات الهاتفية. أخيرًا، لا تهتم بالتفكير فيما ستقول؛ لأن هذا يشتت ذهنك، وحاول أن تنسى همومك الشخصية.

كيف تبتسم؟

 تمثل  الابتسامة المفتاح السحري لمغاليق القلوب، فهي الكنز الذي لا يكلف شيئًا. وسأكتفي في هذا الباب بما يلي؛ لأثبت قيمة الابتسامة في عملية الاتصال؛ إذ يقول مدير أحد مصانع الصلب في أمريكا- وكان يتقاضى مليون دولار سنويًا- :” لقد أكسبتني ابتسامتي مليون دولار”.

لغة الجسد 

تمثل لغة الجسد – والتي تتمثل في ملامح وإيماءات الوجه، وحركة العين، ووضع وحركة اليدين وباقي أعضاء الجسم-  كما ذكرنا أكثر من 50% من نسبة التأثير في عملية التواصل. ولإتقان لغة الجسد، يجب ترك أثر إيجابي أثناء الاتصال بالعين؛ من خلال اتقانك للألفة مع غيرك.  احذر النظر لغير من تخاطبه، أو إطالة إغماض العينين، أو تركيز النظر في شخص أو اتجاه معين عندما تخاطب مجموعة كبيرة،  أو إعطاء كل اتجاه أقل من 3 ثوانٍ من التركيز.

 وفيما يخص مهارة الوضع والحركة، ينبغي الوقوف أو الجلوس بطريقة طبيعية ( غير منحنية ( ، ولزيادة فاعلية الاتصال خذ وضع الاستعداد ووزنك إلى الإمام، علمًا بأنه  من الأوضاع الخاطئة، التراجع إلى الخلف أو الميل من جانب إلى آخر.

 نأتي الآن إلى ملامح وتعبيرات الوجه:

  1. اجعل وجهك مبتهجًا أثناء المحادثة ( باب الابتسامة).
  2. اجعل حركاتك وإيماءاتك معبرة، ولتكن بشكل  طبيعي.
  3. تدرب جيدً لتحسين ملامح وتعبيرات وجهك؛ لأن إشاراتك- وخصوصًا تعبيرات وجهك ستظهر أنك متفتح وقريب، أو منغلق.

الصوت والتنوع الصوتي (مراعاة حالة المخاطب)

إن طريقة كلامك وأسلوبك تؤثر في نظرة الآخرين لك، ولا نعني بذلك الكلمات فقط، فطريقة الإلقاء وأسلوب الحوار قد يحدث اختلافًا واضحًا. لذا عليك  اتخاذ الإجراءت التالية :

  1. تحدث بحماس واهتمام، وإذا استدعى الأمر غيَّر من نبرة صوتك؛ لتتناسب مع الموقف، مع مراعاة التحدث ببطء وهدوء؛ حتى يتمكن المستمع من متابعة حديثك، شريطة تجنب البطء الممل.
  2. توقف للحظات أثناء حديثك، لكي تمنح المستمع وقتًا كافيًا لاستيعاب ما تقول.
  3. احذر التحدث بصوت منخفض، أو مرتفع جدًا.

التعامل مع الرأي الآخر 

نأتي الآن إلى آخر باب في مهارات التواصل من خلال موقفين في حالة اختلاف الرأي، كيف تتصرف تجاههما؟

الأولى: ماذا أفعل إذا هاجمني أحد باللفظ ؟ أنا لا أجيد التشاجر باليد أو حتى الدفاع عن نفسي ؟

تمسك بالهدوء الكامل واطلب منه أن يفسر لك ما قلته وآثاره.  إذا استمر في التصعيد، أو أجاب بوقاحة, فاطلب منه بحزم أن يغادر المكان، شريطة ألا ترتبك أو تحني رأسك، مع جعل ذقنك لأعلى؛ لتشعره بعدم أهميته بالنسبة لك، وأنه كشخص لا يفرق أمره معك، وأنَّ ما يقوله لا أهمية له، فتحرجه بذلك أمام الجميع.

الثانية: إنني خجول ولا أستطيع التكلم أمام جمع من الزملاء:

  1. ثق في نفسك وفي قدراتك؛ لأنكلا تختلف عن الآخرين، بل يمكن أن تكون أفضل من كثيرين.
  2. حاول اكتساب مهارة الاتصال؛ لتتخطى هذه العقبة والتواصل مع الآخرين؛ إذ يجب أن تصدق أنَّ لديك أفكارًا جديرة بأن يسمعها من حولك، ويستفيدوا منها.
  3. تأكد إنك إذا تقدمت خطوه في هذا الطريق، ستجد نفسك تسيطر على جزء من أدوات الاتصال لديك، وتتشجع وتبدأ في الحديث مع زملائك, كما تشجعهم على الاقتراب منك خطوات.

في الختام، اكتشفنا معًا مفهوم وعناصر وأساسيات عملية الاتصال والمهارات اللازمة للتواصل مع الآخرين ( العالم الخارجي) والتأثير فيهم؛ حيث  يتصل الناس بالعالم الخارجي عن طريق حواسهم الخمس التي تعمل بصورة مستمرة بلا انقطاع، إلا أن لكل منا نظامًا خاصًا وبارزًا يفوق الأنظمة الأخرى فعالية، يطلق عليه الخبراء: “النظام التمثيلي للإنسان”، والذي سنتعرَّف عليه بالتفصيل في المرة القادمة.

إنَّ النجاح يمثل الميناء؛ حيث نحتاج إلى الغوص في أعماق ذواتنا لاصطياد السعادة المرغوب فيها، وتطبيق فنون التواصل من خلال شبكة علاقاتنا لكي نكمل رحلتنا؛ بهدف إرساء مراكبنا بإذن الله.

عن مروان عطية

تونس - مهندس صناعات غذائية، صاحب شركة تجارية منذ2016، خبرة 3 سنوات في شركة OPESCOM للتسويق الشبكي

شاهد أيضاً

نحو حياة أكثر احترافية

جميعنا يسعى إلى أن تكون حياته في أحسن حال، فقد كثر هؤلاء الذين يتحدثون كثيرًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *