صنع القرار في اليابان (  2ــ 2 )

يطلقون في الإدارة اليابانية مصطلح “رينجي Ringi”على عملية صنع القرار؛ بمعنى من “أسفل إلى أعلى”؛ وذلك للتغلب على الممارسة الأوتوقراطية في صنع القرار؛ إذ يعد “رينجي” من عمليات صنع القرار الهامة في ممارسات الإدارة المعاصرة لتحقيق النجاح في الأسواق العالمية، ولطبيعة الإدارة التشاركية التي تنتهجها.

آلية عمل رينجي

تقوم فكرة عمل “رينجي” على إشراك الجميع- وخاصة المديرين- في كل مستويات الشركة ممن يتأثرون بقرار وشيك. وتتكون كلمة رينجي من جزأين، الأول “رين”؛ وتعني التقدم باقتراح إلى مشرف والحصول على الموافقة، والثاني “جي” ؛ بمعني المداولات والقرارات (شكل 1).

ويمر نظام رينجي بأربع مراحل: اقتراح، تداول، موافقة، تسجيل. وعادة ما تبدأ المقترحات من قبل المديرين المتوسطين، على الرغم من ورودها أحيانًا من كبار المسؤولين التنفيذيين؛ وهو ما يجعل عملية “رينجي” تستغرق وقتًا طويلًا؛ من خلال دعوة مزيد من أعضاء المنظمة إلى الموافقة على القرار(Sagi,2015).

ويتم وفق هذا النظام إعداد نموذج “رينجي شو” (Ringi –Sho)، والذي يُوزع على كافة المدراء للاطلاع والتعديل أو المصادقة؛ وذلك بوضع ملاحظات وختم المدير المسمى “هانكو” (Hanko).

الختم المقلوب

ويمكن وضع ختم المدير بالمقلوب في حالة عدم الموافقة على المشروع في النهاية، ويسبق وضع الختم عملية تسمى “نيماواشي” (Nemawashi)، يُقصد بها خلع الشجرة من جذورها وربطها معًا وزراعتها بشكل صحيح حتى تنمو.

وتتم هذه العملية بعد انتهاء ساعات الدوام وخلال الاجتماعات غير الرسمية؛ ليناقش المدراء أسباب معارضة القرار، قبل وضع الختم بالمقلوب. وتنتهي العملية بإجماع نهائي بتوقيع الرئيس على القرار إذا كان يخدم الاستراتيجية العامة للشركة (المنيف،1999).

وفي حال عدم الموافقة على القرار، تعود الوثيقة إلى مقترح القرار؛ لعمل التعديلات وفق الملاحظات على الوثيقة.

أسباب نجاح رينجي

وعلى الرغم من أن البعض يرون أن عملية “رينجي” تستغرق وقتًا طويلًا، لكنها لا تزال تحتل مكانة عالية في تقدير طبيعة الإدارة التشاركية، مع إجراءات صنع القرار الجماعي في المنظمة.

وأحد عوامل نجاح نظام رينجي، هو نظام التواصل المؤسسي الياباني القائم على القيم الاجتماعية الثقافية للمجتمع ككل، والذي يرتبط بمستوى عال من الإنتاجية والابتكار التكنولوجي، في جميع الاتجاهات، من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، وعبر قنوات أفقية وقطرية. كذلك، فإن “نيماواشي” يعني الاجتماع للتهيئة، ولمناقشة الأفكار والخطط وتطويرها، وصقلها في اجتماعات غير رسمية بين الموظفين (Sagi,2015).

بالرغم من ارتباط عملية اتخاذ القرار في اليابان بفلسفة ذلك المجتمع عبر موروثه التاريخي، ومقوماته الجغرافية والاقتصادية، إلا أنه لا يمكن إنكار ما حققته الإدارة اليابانية الفعّالة من حشد طاقاتها وقدراتها على تحفيز المنظمات ورفع الكفاءة والإنتاجية.

ولا ننسى الترابط الكبير بين الثقافة المؤثرة على السلوك الاقتصادي وأخلاقيات العمل الإيجابية، وخصائص الإدارة اليابانية مجتمعة، والتي أدت إلى ظهور القدرات الاقتصادية الهائلة في هذا العصر.

العرب أجدر بالنجاح

ولا شك أن مجتمعاتنا العربية تمتلك من المقومات، ما يجعلها أجدر بالنجاح في صنع القرار، لاسيما وأن مبدأ الشورى، والعدالة، والمسؤولية، وتفضيل مصلحة الجماعة، والبعد عن الذاتية، قيم متأصلة في ديننا، وثقافة مجتمعاتنا.

وأرى أن أي مسؤول يمكنه اتخاذ القرار بطريقة ديموقراطية فيما يتعلق بالقرارات التطويرية والتحويلية؛ عن طريق تطبيق نظام “رينجي”؛ حيث يتم تدوين الأهداف والمبررات للقرار المقترح والجهة واسم الشخص المقترح، ويتم إمراره بواسطة برامج الشبكات- تجاوزًا لمشكلة الوقت المستغرق- على مدراء الأقسام ذات العلاقة بالقرار.

بعد ذلك، يقوم رئيس ومدير كل قسم بإمراره على الأفراد المتعلق بهم القرار، ثم يُعقد في هذه المرحلة اجتماع “نيماواشي” لتقريب وجهات النظر.

وأخيرًا، يضع كل مسؤول ختم (رمز) الموافقة، أو ختم عدم الموافقة، مع إبداء ملاحظاته حيال القرار؛ ما يعني جمع القرار بطريقة آلية؛ حتى يعود للمصدر الذي يقوم بالتعديل في القرار المقترح، فإذا اكتملت الموافقات، تم رفعه إلى الرئيس لإصدار القرار.

عن هيفاء محمد خوجة

باحثة دكتوراة في الإدارة التربوية  جامعة الملك سعود

شاهد أيضاً

تعاون سعودي إماراتي لتعزيز التحوّل الرقمي

وقعت شركة علم الرائدة في مجال توفير الحلول الرقمية المبتكرة المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، مذكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.