صنع القرار في اليابان  (  1ــ 2 )

تُعد عمليات صنع القرار في اليابان، من الأمثلة الجيدة على تخطي البيروقراطية في إدارة المنظمات، وعدم الانفراد باتخاذ القرار من قِبَل أعلى سلطة بالمنظمة؛ إذ تسير تلك العلمية بعكس الاتجاه السائد في أغلب المنظمات؛ أي تسير من أسفل إلى أعلى.

ومنذ السبعينات، أصبحت اليابان في المركز الثاني اقتصاديًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من الدمار الرهيب الذي أصابها في الحرب العالمية الثانية، ولكن بفضل الخصائص الأخلاقـية والاجـتماعية للفرد الياباني- المتمثلة في الانضباط الذاتي، والروح الوطنية، وتطبيق الجودة الشاملة، وتجسيد الثورة التكنولوجية على مستوى جميع الميادين- استطاعت اليابان أن تصبح قــوة عظمــى ضمن الدول الثماني الكبرى في العالم.

فلسفة الإدارة اليابانية

في هذه السطور، نسلط الضوء على أحد عوامل نجاح الإدارة اليابانية في اتخاذ القرار في المنظمات؛ ألا وهو:.

يلعب التاريخ والثقافة دورًا هامًا في معظم نظم الإدارة اليابانية الحالية؛ إذ تعود بعض جذور تلك الممارسات اليابانية إلى الفلسفة الكونفوشيوسية (احترام الشيوخ، الولاء، الانسجام)، والبوذية (التواضع، أخلاقيات العمل، العمل من أجل الخير الجماعي)، وبوشيدو (واجب، واجب، شرف)، وممارسات المجتمعات الريفية قبل العصر الحديث( كزراعة الأرز ضمن مجموعات تعاونية)؛ وهو ما يفسر بعض الخصائص الرئيسة للممارسات الإدارية اليابانية الحديثة؛ مثل الأبوية، والسلوك الجماعي (Sagi,2015).

اتخاذ القرار

تعتمـد المؤسسـات اليابانيـة على القرار الجـماعي المشتـرك، سواء كـان يتعـلق بـإحداث تعـديـل في عمليات الإنـتاج، أو بـتأسيس مصنـع جديد؛ إذ يبذل اليابانيون قصارى جهدهم في اتخاذ القرارات بالـتركيز على الأهـداف الـعامة للمؤسسة، والبحث عن الحلول الأكثر حظًـاً في النجـاح (حسان، 2011).

ويشير بيتر دراكر – بحكم تجربته مع اليابانيين – إلى أنَّ عملية اتخاذ القرار وفق الأسلوب الياباني تتميز بالتركيز على الأمور الأساسية التالية:

  • تحديد المشكلة وفهمها، أكثر من تركيزها على إيجاد الحل.
  • وجهات النظر المختلفة، بحيث لا تكون هناك مناقشة للحل، إلا بعد الاتفاق على المشكلة.
  • البدائل المتاحة أكثر من التركيز على الحل الصائب.

إن الطريقة اليابانية في اتخاذ القرار ينتج عنها قرارات فعالة؛ لأن التنفيذ الفعال يُصمَّم أثناء عملية اتخاذ القرار، كما أن المديرين اليابانيين لا يتخذون قرارات صغيرة كثيرة، بل يتخذون قرارات كبيرة قليلة؛ لأن القرارات الصغيرة الكثيرة من أكثر الأشياء الضارة لأي منظمة. ومعروف أن المدير الفعَّال لا يتخذ قرارًا، إلا إذا كان هناك اختلاف في وجهات النظر (جلدة، 2009).

مبدأ الجماعية

إن مبدأ الجماعية سمة أساسية يُمكن أن توسم بها القيادة الإدارية في اليابان، والذي يتمثل في تعهد القائد ومرؤوسيه بالعمل على إنجاز أهداف مؤسساتهم وتحقيق تطلعاتها، فالقائد الفرد دوره توحيدي ورمزي، ويتم إرشاده إلى ما يجب عليه عمله من مرؤوسيه، بعكس ما هو متعارف عليه في بقية دول العالم، حتى قيل إنَّ من علامات الموظف الذكي باليابان، معرفته وقدرته على توجيه رئيسه؛ لأن منظومة الأفكار الإدارية في اليابان تنطلق بشكل معاكس (أي من أسفل إلى أعلى) (المنيف، 1999).

إن الأخذ بمبدأ المسؤولية الجماعية من أسس الإدارة اليابانية -وفقًا للشواورة- ، كما أنَّ كافة أعضاء الفريق مسؤولون أدبيًا ونظاميـًا أمام المشرف أو المدير المباشر عن تنفيذ العمل وتحقيق أفضل النتائج، فالمسـؤولية في الإدارة اليابانية جماعيـة، وليسـت فرديـة؛ كـون اتخـاذ القـرار يـتم بصورة جماعية وليس فردية؛ وبالتالي يحاسـب الجميـع على أي تقصـير في العمـل وليس فردًا بعينه.

وهذا المبدأ نفسه، يستخدم عند احتساب معدلات الإنتاجية، فبما أن الجماعة هي محـور العمليـة الإنتاجيـة، وعليهـا تقع مسؤولية اتخاذ القرار، وتنفيذ ما يترتب عليه من مهام وواجبـات؛ فـإن إنتاجيـة عمل المجموعة تُقاس ويُحاسب عليهـا عـلى أسـاس الجهـد الجماعـي، وليس الفردي؛ وبالتالي فإنَّ المكافآت الإنتاجية تُوجَّه لهم جميعًـا، على أساس الأرباح المحققة بنهاية كل فترة مالية، وحسب معايير عادلـة يتم التوافق عليها فيما بينهم.

قرار مؤسسي

إن الرئيس في اليابان- وفق ما يشير إليه الجميلي- ليس هو الشخص الذي يتخذ القرار في جميع الأمور؛ لأن القرار عندهم تتخذه المؤسسة، يبدأ في أدنى المستويات الإدارية، ويصعد إلى أعلاها. وعند الحديث إلى مسؤول ياباني، فعادةً ما يهز رأسه ويبتسم؛ ما يعني:”لقد استمعت لما قلت، وسوف أقوم بنقله”. والسبب في ذلك، أن اتخاذ القرار في اليابان يتم وفق عملية محددة تراعي كل الجوانب، وبعد دراسة مستفيضة، وربما أعيدت الدراسات عدة مرات؛ للتأكد من صحتها قبل اعتمادها.

ويتخذ اليابانيون قرارات محفوفة بالمخاطر، إذا شعروا أنها يمكن أن تساعد المجموعة أو الشركة أو البلد، إذا توافرت معلومات كافية عن الوضع، وتم توقع كل النتائج المحتملة لاتخاذ القرار.

إنَّ العواطف مهمة جدًا في الثقافة اليابانية؛ إذ يتأثر البعض بها عند اتخاذ قراراتهم ؛ لذلك فإن اتخاذ القرار هناك يتأثر بالنهج الشخصي.

عن هيفاء محمد خوجة

باحثة دكتوراة في الإدارة التربوية  جامعة الملك سعود

شاهد أيضاً

القوة الاقتصادية للمملكة بين دول العشرين

تحت شعار “مستقبل عادل ومستدام”، انطلقت جلسات ملتقى “مجموعة العشرين” بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.