رحل الأب وبقيت منجزاته فخرا لأبنائه وأبناء الوطن

 

بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، مليء بالحزن والأسى لوفاة والدي -رحمة الله عليه-، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي شاء الله -عز وجل- أن يختاره إلى جواره، بعد أن أمضى حياته متفانيا في أداء رسالته الإنسانية والأبوية والسياسية على أكمل وجه، وإنه ليصعب علي أن أعدد مآثر أب حنون عطوف يملك سعة الطبع وقوة التحمل وصبرا لا ينثني؛ لأنه يسير على طريق الحق ولا ينحرف؛ لأنه يؤمن بمبدأ العدل ولا يخاف في الله لومة لائم؛ لأن الإنصاف طبعه حتى أن الناس يتعرفون به على معاني الإصلاحات النفسية؛ لأنه مربٍ ومرشد يحمل أغلب الصفات التي يتألف منها معجم الفضيلة.

الأمر بالغ الصعوبة أن ينعى المرء والده فما بالكم بأب مثل الملك عبدالله الذي نعته الأمة العربية كلها.. فلم يكن والدي الملك عبدالله -رحمة الله عليه- أبا لي وحدي، بل كان يشاركني في أبوته كل شعب المملكة.. وعلى الرغم من ذلك لم أشعر يوما بنقص اهتمامه بي كأب حنون لابنته.. رغم كونه الأب لكل أبناء المملكة.. يكفل الجميع بحنانه ورعايته.. ولقد اختص الشباب بجزء وافر من وقته ورعايته فقد كان -رحمة الله عليه- رحيما حنونا عطوفا بكل شباب وفتيات المملكة في قراراته التي اتخذها طيلة فترة حكمه منذ أن تمت مبايعته يوم الأحد 26 جمادى الآخرة 1426هـ، حيث سادت حالة من التفاؤل والثقة في جميع قطاعات المجتمع السعودي، فقد كانت مبايعته دليلا على استمرار مسيرة التنمية والتطوير التي بدأها سلفه، حيث صارت المملكة في عهده دولة تمثل في حقيقتها أسرة كبيرة تحت رعاية والدي تطبيقا لقول رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فكان نعم الراعي المسؤول، حاملا للأمانة التي أعطاها له رب العالمين منذ بداية توليه حكم المملكة.

قدم والدنا وقائدنا -رحمه الله- مثالا للقيادة الرشيدة الواعية المهتمة بالوطن والمحتوي لأبنائه في كنفه ورعايته عبر اهتمام متعاظم بتعزيز القيم والثوابت الوطنية، وتأصيل الثقافة السعودية بمفهومها الكبير وإبراز البعد الحضاري لأرض المملكة؛ بما يرسخ مكانتها الحضارية وعمقها التاريخي ناصحا ومشاركا وداعما وواضعا قواعد وأسسا تسير عليها الأجيال، تاركا في الوقت نفسه علامة فارقة في تاريخ الحكم في المملكة.

ولعل أبرز ما اهتم به هو قضية إدماج المرأة ضمن المنظومة الكلية للاقتصاد وإشراكها في تنفيذ البرامج وفي صنع القرار كأولوية قصوى، وبلغ هذا الاهتمام ذروته في عهده، حيث وضع جانب مشاركة المرأة السعودية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي على سلم أولويات الاستراتيجيات، وخطط التنمية الوطنية قصيرة وطويلة المدى، دعمت هذا الاتجاه حزمة قرارات متتالية أهمها القرار التاريخي بزيادة عدد النساء في مجلس الشورى إلى 30 عضوة وهو القرار الذي شكل نقطة تحول مهمة في تاريخ المجالس التشريعية في المملكة.

إن تاريخ البشرية سيذكر ملكا فريدا مميزا، والمنجزات سوف تتحدث عن ملك غيور على وطنه مهتم بشعبه ينظر ويتدبر ثم يقرر في تواضع، لرب العباد منتصرا للحق وإن كان على نفسه، حافظا وراعيا لشعبه دون منّ، معينا على الصلاح ما كان إلى ذلك سبيلا.

وإنني كابنة ينتابها الحزن والأسى لفقد والدها إلا أن سلواي في ذلك والمخفف من، ألمي على فقد الأب الحنون هو فخري بتاريخه المشرف وإنجازاته غير المسبوقة، وإن الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي تولى الحكم من بعده لا يختلف عن والدي في نهجه المتبع في الاهتمام بأبناء المملكة، وإننا فقدنا أبا واكتسبنا أبا في الساعة نفسها فهو خير خلف لخير سلف.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

 

 

 

 

عن صيتة بنت عبدالله

شاهد أيضاً

رمضان والطاقة الإنتاجية

أيام قليلة، وتحل علينا نفحات أفضل الشهور عند الله -عز وجل- والمسلمين عامة، وهو شهر رمضان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *