حوار-فؤاد-مراد

د. فؤاد مراد مدير مركز تسخير التكنولوجيا بالإسكوا

عندما نتحاور مع صاحب خبرات عريضة بحجم د. فؤاد مراد فينبغي أن ننصت له، فمسيرته حافلة؛ إذ قضى عمره متنقلًا بين المؤسسات المعنية بالابتكار والتكنولوجيا عربيًا ودوليًا؛ ما أهله لإدارة مركز الدعم الإقليمي لتسخير العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية باللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لدول غرب آسيا (الإسكوا) .. تعالوا معًا نبحر في فكره ، ونتعرف على رؤيته لواقع ريادة الأعمال التكنولوجية في عالمنا العربي، وسبل النهوض بها…
فؤاد مراد في سطور :
ــ بكالوريوس الهندسة الكهربائية والكمبيوتر من جامعة نيويورك في بوفالو.
ــ الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة بوردو بولاية إنديانا.
ــ عمل في وحدة أنظمة التخزين المغناطيسية التابعة لشركة “IBM” في مدينة روتشستر بولاية مينيسوتا الأمريكية بين عامي 1990و1993.
ـــ عمل أستاذًا للهندسة الكهربائية وهندسة الكمبيوتر في الجامعة الأمريكية ببيروت، خلال الفترة بين عامي 1993 و2009.
ــ انضم إلى منظمة الأمم المتحدة في ديسمبر 2009.
ــ يشغل حاليًا منصب المدير التنفيذي لمركز الإسكوا الإقليمي للتكنولوجيا في العاصمة الأردنية عمّان.
ــ يتولى مهمة قيادة مركز الدعم الإقليمي لتسخير العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ــ تقلد العديد من المناصب المرموقة خلال مسيرته المهنية، ومن بينها منصب مستشار للابتكار التكنولوجي في العديد من المؤسسات المحلية والدولية.
ــ عمل مستشارًا لبرنامج “نجوم العلوم” التلفزيوني، الذي ترعاه مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.
ـــ بداية؛ ما دور مركز الدعم الإقليمي لتسخير العلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية؟
تأسست منظمة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لدول غرب آسيا (الإسكوا Escwa ) في بيروت منذ أكثر من 40 سنة، لرعاية شؤون الدول العربية، وتغطي نشاطاتها ما يتعلق برسم السياسات الاستراتيجية الشاملة للتنمية المستدامة. وبناءً على رغبة اللجنة الوزارية بالإسكوا، تم إنشاء مركز التكنولوجيا لتنفيذ وتطبيق السياسات والاقتراحات وخطط العمل التي تأتي بها المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية.
ودائما ما تستقبل الدول باهتمام الأفكار والاقتراحات، ولكن تواجهها مشكلة كيفية التنفيذ ، فأنشئ المركز لمساعدة هذه الدول في تنفيذ هذه الاقتراحات والخطط. ونحن في المركز نساعد الدول الأعضاء في تنفيذ ماهو متعلق بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار والبحث والتطوير؛ لتحقيق تنمية مستدامة شاملة.
ــ ماذا عن ورشة العمل حول ” ريادة الأعمال التكنولوجية” بالقاهرة ؟
تأتي ضمن برنامج متكامل ينفذ في مصر بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي، وهي ورشة عمل تجمع المؤسسات الداعمة للابتكار وبعض المبتكرين ورواد الأعمال المميزين؛ حيث نستمع لبعض التجارب التي نجحت أو فشلت، باعتبارها دروسًا نتعلم منها، بهدف استخلاص بعض العبر لتصحيح وتنقيح المسار للتشريعات والسياسات المحلية الداعمة للابتكار وريادة الأعمال؛ لتكون منظومة الابتكار التكنولوجي في مصر متكاملة ومنتجة؛ لأن هناك كثيرًا من مراكز الامتياز والمعاهد البحثية ، ولكنها غير مترابطة مع بعضها بعلاقات مفيدة وعمل مؤسسي يُبنى دون الاعتماد على مجهود شخصي في بعض المراكز. وهذا يتم من خلال تشريعات وسياسات واضحة تضبط الأداء. ونحن مع شريكنا المحلي أكاديمية البحث العلمي، نقترح مساعدة الجهات الحكومية المعنية بالتكنولوجيا وريادة الأعمال؛ لأنها من تملك الإرادة، والوحيدة التي من حقها أن تنقح وتصحح التشريعات في مراكز البحوث والجامعات وعلى المستوى الوطني ككل.

ــ كيف ترى أهمية ريادة الأعمال ؟
ريادة الأعمال ليست جديدة على العالم العربي، فالتاريخ يذكر تميز التجار العرب والتجارة العربية التي نشطت في العصور القديمة بفضل الموقع المميز وسط العالم القديم، فضلًا عما امتازوا به من أمانة وصدق وقيم أخلاقية ضرورية لرائد الأعمال.
ولريادة الأعمال أهمية كبيرة، وباتت ضرورة لتقدم المجتمعات ونمو الاقتصاد؛ إذ تساعد الشباب على عدم الجري خلف الوظيفة، وتمكنه من توفير فرصة عمل له ولغيره ، فالمجتمع استثمر في الشباب العربي. وهي بهذا تساعد في حل مشكلة البطالة التي تعد أهم مشكلة اقتصادية تعاني منها مجتمعاتنا؛ فالمشاريع الريادية التي نطمح لها ينبغي أن تولِّد فرص العمل؛ وبالتالي تخفيض معدلات البطالة.
ريادة الأعمال التكنولوجية
ـــ ريادة الأعمال التكنولوجية، قد يبدو مصطلحًا جديدًا نوعًا ما؟ كيف ترون أهميته؟
تُطلق ريادة الأعمال التكنولوجية على الشركات الناشئة والمشروعات التي تعتمد على التكنولوجيا، وتسلط الضوء على كيفية تسخير ما نتعلمه في المدرسة والجامعة وما نصنعه في مراكز البحوث لصالح التمكين الاقتصادي؛ لأن العلم هو أداة للثقافة وللتمكين.
إن الشهادة العلمية ليست مجرد ورقة نحصل عليها ، ولكنها تثبت أن لدي مهارات، ورصيد معرفي، وقدر من الاطلاع على المستجدات الحديثة، وأنني قادر على تحويل المعلومات التي أمامي إلى أداة مفيدة في حياتي ، وتحل المشكلات التي نواجهها، وهذه هي أهم ميزة لريادة الأعمال؛ حل المشكلات التي نواجهها، ومن أهمها خلق فرص لائقة للشباب.
ــ وما هي القيمة المضافة لريادة الأعمال ؟
ريادة الأعمال التكنولوجية تعطي أكبر قيمة مضافة من النشاط الابتكاري ؛ إذ يحقق الاستثمار في المشروع التكنولوجي أكبر مردود اقتصادي، بل قد يكون أضعاف ما هو مبذول من الجهد العادي، بنفس الجهد أو أقل من الجهد المبذول في مشروع ريادي آخر، وهذا ماأثبتته تجربة دول كثيرة، مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو أيرلندا أو نيوزلندا، وهي أمثلة لدول حديثة التطور، وليست دولًا عريقة التطور كالدول الصناعية الكبرى؛ حيث تثبت تجارب هذه الدول أن تسخير التكنولوجيا والابتكار أعطى أكبر قيمة مضافة للاقتصاد من أي عمل آخر.
وإذا أردنا مردودًا اقتصاديًا أعلى فلنسخر العلوم والتكنولوجيا، لنحصل على عائد أكبر بمجهود وقيمة استثمار أقل، فإذا كان معدل الوظيفة في قطاع البناء أو قطاع السياحة أو الخدمات يخلق 3 وظائف داعمة له في المجتمع؛ فإن ريادة الأعمال التكنولوجية تخلق 10 فرص أخرى داعمة لها.
وهذا هو المهم لأن المجتمع العربي يتمتع بميزة تنافسية كبيرة تتمثل في زيادة نسبة الشباب بين عناصره، وهؤلاء الشباب بحاجة إلى فرص عمل لائقة تثبتهم وسط مجتمعهم؛ فإن وبالتالي المستفيد الأول من طاقاتهم هو الوطن.

ــ كيف ترى واقع ريادة الأعمال التكنولوجية عربيًا ؟
أرى أن أجيالًا عربية نشأت على الألعاب الإلكترونية ومتصلة طوال النهار والليل بأجهزة المحمول والأجهزة اللوحية الذكية، وهي أجيال تستطيع من خلال أجهزتها الذكية أن تصل إلى أحدث ما توصلت إليه مراكز البحوث العالمية؛ لذا يجب تعليمها والتعاون معها لتسخير ما تمتلكه اليوم من طاقات ومهارات للبحث على شبكات الإنترنت لصالح أنفسها وتقدم مجتمعاتها، فبالإضافة إلى التسلية والتواصل الاجتماعي مع الأصدقاء، يجب تسخير هذه الطاقات نفسها من أجل تمكين اقتصادي لأنفسهم ولمجتمعاتهم ، وهم قادرون على ذلك.
ــــــ وما رأيك في الشباب العربي العامل في مجال ريادة الأعمال التكنولوجية؟
هناك شباب عربي أسس مشروعات مهمة ، والأمثلة كثيرة في مصر ولبنان وتونس والسعودية وقطر والكويت والبحرين وعمان والمغرب والجزائر والسودان، وغيرها. هناك أمثلة لشباب واعد، وفي العشرينيات من العمر يعمل في منظومات عالمية، دون أن تسلط عليه الأضواء. وهؤلاء يجنون ملايين الدولارات من الإنترنت شهريًا، ونحن في حاجة ماسة لمثل هذه النوعية الذين يستطيعون بابتكاراتهم وإبداعاتهم إثراء الحياة وتغيير الواقع للأفضل.
ـــــــ من واقع خبراتكم.. ما أهم التحديات التي تواجه التقدم على صعيد التكنولوجيا وريادة الأعمال؟
أهم التحديات تتمثل في السياسات الداخلية لمراكز البحوث والجامعات، والتي يجب تغييرها من أجل تحفيز الأساتذة للبحث والتطوير وتطبيق هذه البحوث التي نحن في حاجة ماسة لها؛ لتسهم في حل المشكلات المجتمعية، مع تفعيل القوانين الخاصة بحماية الملكية الفكرية التي تساعد على حماية ما ننتجه من منتجات.
كذلك، يجب أن تواكب سياساتنا وتشريعاتنا ماينتجه الشباب من إبداعات، ومسايرة التقدم التكنولوجي المذهل الذي يعيشه العالم حولنا، مع التحرك نحو ربط الشباب الذي يعمل وفق منظومة عالمية لخدمة اقتصاديات الخارج،وتشجيعه لخدمة الداخل والخارج معًا.
ــ طالبتم مرارًا بتوحيد جهود تعزيز الابتكار والريادة لتحقيق التنمية الاقتصادية في العالم العربي .. فما العوائق التي تقف أمام هذا الأمر؟
لا تزال المبادرات الريادية في العالم العربي، أشبه بجزر معزولة عن بعضها البعض؛ حيث نحتاج إلى توحيد الجهود من جميع الجهات: الصناديق، المنتزهات، الواحات، الحضانات، بحيث يتم تشبيك العلاقات فيما بينها لتعظيم الفوائد التي يمكن تحصيلها.
ــ هل الأفكار وحدها كافية لصناعة مشاريع ناجحة؟
بالطبع الأفكار وحدها غير كافية ؛فالابتكار ليس المتطلب الوحيد للريادة؛ إذ يُترجم 1% فقط من الاختراعات إلى نتيجة اقتصادية، و99% لا نستفيد منها، وهي تحتاج إلى تطوير لتناسب التطبيق، وهذا يحتاج لجهد كبير من الجهات المعنية وبالأخص المراكز البحثية والجامعات التي يجب أن تدرس ريادة الأعمال للباحثين، وتربط البحث العلمي بالمجتمع وقضاياه.
الأفكار وحدها غير كافية
ــ التمويل يعد أهم العقبات أمام المشاريع الناجحة ؟
ليس هناك مشكلة في التمويل والاستثمار بالمشاريع الريادية الواعدة، خاصة وأن لدينا في العديد من الدول صناديق للتمويل والاستثمار الحكومية، وكثير من المستثمرين الذين يبحثون عن أفكار جيدة وواعدة، لكن المشكلة في الأفكار الجادة المطروحة، ونقصد الأفكار الإبداعية، فإن كانت هناك أفكار تقليدية فيجب أن تلاءم مع عالمنا العربي، فلدينا 410 ملايين عربي ولدينا 2900 براءة اختراع، بينما دولة مثل كوريا بها 20201 براءة اختراع.
لقد بات العنصر الأهم في عصر اقتصاد المعرفة هو العنصر البشري، ونحن نملك الشباب الذين هم الثروة الحقيقية الآن. وأدعو الشباب للتفكير في مشروعات خلاقة، فحينها سيقتنع المستثمرون بالاستثمار الهادف، بحيث يتم تطوير وتحويل القيم الريادية، والإبداعية لتحريك عجلة الإنتاج في المنطقة العربية.
ـــــ وما رأيك في ريادة الأعمال التكنولوجية في المملكة العربية السعودية؟
المملكة العربية السعودية أخذت قرارًا استراتيجيًا مهمًا العام الماضي بالتحول لاقتصاد المعرفة، وأعجبني أن ” رؤية المملكة 2030 ” تضمنت أكثر من 20 محورًا ، كلها أسس للتحول نحو اقتصاد المعرفة ، والابتعاد عن الاقتصاد التقليدي المبني على البترول. وهناك فرص كبيرة للشباب السعودي المتعلم ليركب هذا القطار. وأرى أن تنويع الاقتصاد لن يبتعد عن البترول تمامًا، ولكن سيصير نحو مشروعات مبتكرة تستفيد من البترول وتضيف قيمة مضافة كبيرة على المنتجات البترولية، وبدلًا من أن نصدر المواد الخام للغرب، والذي يصنعها ويصدرها لنا بأضعاف أضعاف القيمة المادية، فعلينا تصنيع المنتجات المتنوعة، بتحقيق اكتفائنا الذاتي منها، ثم نصدر الفائض للعالم.
وأرى أن خطة 2030 أخذت درجات متقدمة من الاهتمام والالتزام السياسي ، وأن الفرصة مهيأة أمام الشباب للاستفادة الذهبية لتمكين ذاته وخدمة وطنه.
وما تقييمك لهذه الخطوات؟
أود أن أسجل إعجابي بسمو الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد الذي يأخذ خطوات جريئة، فهو مثل وقدوة للشباب. وأنا سعيد بالاهتمام بالتعليم والمراكز البحثية وربطها بالمجتمعات المحلية ومشاكلها، وإنشاء كلية لريادة الأعمال، وإنشاء صندوق الصناديق لتمويل المشروعات المبتكرة بنظام رأس المال المخاطر؛ ما جعل الاقتصاد السعودي يمتطي حصانًا عربيًا مشدود العضلات استعدادًا لقفزة نوعية غير عادية نحو المزيد من التقدم والرقي.
ــ بم تنصح الشباب العربي؟
بتسخير العلم لمنفعتهم الاقتصادية، وتوليد فرص عمل لأنفسهم وللمجتمع، مع ضرورة التمييز بين الاختراع والمشروع الاقتصادي الناجح.
وعليهم بالتعلم من الخبرات والتجارب السابقة،ليس فقط من قصص النجاح؛ فقد تمثل بعض التجارب الفاشلة دروسًا للرياديين الراغبين في تجنيب أنفسهم الهفوات أو الأخطاء التي وقعت فيها هذه المشاريع.

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

كولونيل ساندرز..وخلطة كنتاكي

أقواله الشهيرة –        “تذكر أن كل فشل، يمكن أن يكون نقطة انطلاق لشيء أفضل”. –        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *