“دعوة للمعرفة ” (21) – “اقتصاد المعرفة”

يتساءل البعض: كيف، ولماذا نشأ اقتصاد المعرفة؟ وما مفهومه ؟، والإجابة تجدها في السطور التالية…

عندما بدأت ثورة المعلومات في الربع الأخير من القرن العشرين، تطور تصنيع أجهزة الكمبيوتر العملاقة، فصغر حجمه، وزاد كمُّ المعلومات التي يختزنها، وتنوعت البرامج التي يتقنها، والألعاب التي يحتويها، والقدرات التي يقدمها؛ حتى وصل الأمر- مع تقدم البحوث والدراسات والاستقصاءات العلمية- إلى حد أن حجم “المعرفة” التي حصل عليها العالم في نصف القرن الأخير (50 سنة)، يزيد عن مجموع حجم المعرفة التي حصل عليها العالم منذ بدء تاريخ البشرية.

ثورة المعلومات

بدأت ثورة المعلومات بجمع وتخزين آلاف وملايين البيانات Data، ومع تقدم علوم وفنون تحليل البيانات Data analysis، تولدت مليارات المعلوماتinformation، والتي بتشغيلها وتحليلها تلعب دورين أساسيين:-

الأول: المساعدة في عمليتي صنع واتخاذ القراراتDecision Marking & Taking.
الثاني: توليد مزيد من المعرفة More knowledge .

وكنموذج لضخامة حجم المعلومات التي يمكن جمعها، وحجم الجهد المطلوب للخروج بنتائج وقرارات من تشغيلها وتحليلها، فـ “توهج المعرفة” بهذه الغزارة منذ بدء ثورة المعلومات ساهم أيضًا في نمو وغزارة البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية.

حتى بداية ثورة المعلومات، كانت “المعرفة” مجرد معرفة لخدمة العلم والبحث والدراسات؛ حتى ظهر “مأزق التنمية المستدامة” الذي أشرنا إليه، والذي تلخص في أن تحقيق هذه التنمية – مع أهميته، وضرورته لإنقاذ البشرية من تهديد تغير المناخ- مطلب باهظ التكلفة، إلى أن ظهر “الاقتصاد الأخضر” ليقدم حلولًا بيئية واقتصادية في الوقت نفسه؛ أي حلول تحقق حماية وصيانة البيئة وتحقق عائدًا اقتصاديًا في آن واحد.

المعرفة الفنية

وهنا ظهر “اقتصاد المعرفة”، كمستشار يقدم “المعرفة الفنية” للاقتصاد الأخضر، بتمكينه من حل معضلات “التنمية المستدامة”.، فعلي سبيل المثال أحدث التقدم في المعرفة بتقنيات التكنولوجيا الحيوية Biotechnology، ابتكارات في توليد الطاقة من الطحالب، استفاد منها “الاقتصاد الأخضر” في توليد طاقة جديدة New Energy، ثم شجع الاقتصاد الأخضر، اقتصاد المعرفة على السير قدمًا في أبحاثه لإنتاج “الغذاء والعلف” أيضًا من الطحالب.

كذلك، كان لاستخدام “الاقتصاد الأخضر” للتدوير، في إدارة المياه وإدارة المخلفات، التطرق لمجالات أوسع، فعلى سبيل المثال توصل “اقتصاد المعرفة” إلى إعادة استخدام جانب كبير من نفايات المفاعلات النووية في تشغيل المفاعلات مرة أخرى كوقود نووي.

إذًا، كانت “احتياجات” الاقتصاد الأخضر” سببًا رئيسًا في دفع حجم من المعرفة إلى التحول “لمعرفة اقتصادية”؛ لحل معضلات “الاقتصاد الأخضر” والتنمية المستدامة؛ ما شجع حجمًا آخر من المعرفة على تحويل المعرفة بالتقنيات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية والذكاء الصناعي والاتصالات إلى “معرفة اقتصادية أخرى”.

معارف اقتصادية

إنًّ عملية تحويل المعرفة، لمعرفة اقتصادية، بدأ استخدامها أولًا في خدمة “الاقتصاد الأخضر”، ثم بنجاح تطبيقات إدارة الأراضي وإدارة المياه وإدارة المخلفات والطاقة المتجددة والعمارة الخضراء، تشجع أصحاب المعرفة، على تحويل معارفهم إلى “معارف اقتصادية”.

وهذا قريب الشبه بما يفعله “رواد الأعمال الذين يسعون إلى تحويل” أفكارهم غير التقليدية” أو “مبادراتهم” أو “مبتكراتهم” إلى “معرفة اقتصادية”؛ أي معرفة منتجة لسلعة أو خدمة أو فكرة مبتكرة تحقق عائد.

ويزداد هذا التشابه، عندما نعلم أن “رائد الأعمال” يحدث ما أسماه “شومبيتر” بـ” التدمير الخلَّاق للسوق”؛ أي تدخلًا يهز السوق. كذلك، تهز “المعرفة الاقتصادية” السوق من خلال تقديم عرض جديد New Supply يولد طلبًا جديدًا New Demand، وكلاهما يقدم سوقًا جديدًا New Market يقضي على السوق القديم، مثلما أنهى التليفزيون الملون نظيره الأبيض والأسود من السوق، ومثلما يقتل الهاتف المحمول نظيره الأرضي ببطء.

ثلاث خواص

لاقتصاد المعرفة ثلاث خواص:

أولها: المشاركة في “المعرفة” واستثماراتها تزيد نصيب كل طرف عما لو كان وحده (لأن عائد المشاركة في المعرفة أعلى).
ثانيها: كلما زاد “حجم المعرفة”، زاد حجم ما لا نعرفه، أو ظهر جديد لا نعرفه (مثل صعود الجبل يوسع الرؤية، وتتسع مساحة ما لا نراه أيضًا).
• وثالثها: مهارة المشاركين في “اقتصاد المعرفة” رصد ما لايعرفونه ويحتاجون معرفته، والاجتهاد في معرفة كيف يصلون إليه.

اقتصاد متنامٍ

“اقتصاد المعرفة” اقتصاد جديد متنامي يتوسع كل يوم، وأنت من يبحث عنه، بينما “المعرفة الاقتصادية” هي التي تأتي إليك، فمن بين عشرات ومئات “المعارف”، تتلألأ واحدة لديها الرغبة لتكون “معرفة اقتصادية” قادرة على توليد سلعة أو خدمة مبتكرة تملأ الكون. هذا هو “اقتصاد المعرفة”، وآخر محطات “قصة الاقتصاد” ولو مؤقتًا.

عن م. عزمي مصطفى

م. عزمي مصطفى استشاري المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال

شاهد أيضاً

الاستقلال المادي للمرأة

لا أرى عيبًا أو نقصًا في عمل المرأة، ومشاركتها الرجل في تنمية مجتمعها، وخدمة دينها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.