“دعوة للمعرفة ” (16) – رأسمالية ريادة الأعمال

تساءلنا في المقال السابق عن: أي النظريات الاقتصادية أنسب لنا أو لعصرنا مع الألفية الثالثة، بعد سقوط “المدرسة الاشتراكية” تقريبًا بتنويعاتها، بدليل لجوء أقطابها مثل الصين أو روسيا لرأسمالية قطاع خاص موجه كثيرًا أو قليلًا من الدولة، بالتوازي مع رأسمالية الدولة بشراكة عميقة، أو غير عميقة في أنشطة اقتصادية متنوعة.

وقد أصابت “المدرسة الرأسمالية الحرة”- بأنواعها المختلفة من الرأسمالية الاجتماعية وحتى النيوليبرالية- نكسات محبطة أعوام 1930 و1997 و2008، إلى جانب عورات شملت مدى واسعًا من اللامساواة وإنعدام العدالة الاجتماعية، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين دول المجموعة الأوربية، كما حدث لكل من اليونان وأسبانيا والبرتغال.

كذلك، أصابت الرأسمالية النيوليبرالية المنفلتة العالم كله بتهديد واضح بـ “ظاهرة تغير المناخ” ونتائجها الصادمة من غرق مدن وسواحل، وجفاف قاسٍ، وحرارة لا يحتملها البشر والنبات والحيوان لارتفاع معدلات تلوث التربة والماء والهواء، واستنزاف الموارد الطبيعية دون حكمة،  والانبعاث الكربوني الذي تسبب في ثقب الأوزون.

وقد حذر “نادي روما” البحثي من كل ذلك في أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكن لم يستمع له أحد ! وبقيت مدرسة “جون كينز” التي تمسك بالعصا من المنتصف ما بين  تأييد للرأسمالية وهيمنة القطاع الخاص، وعدم ممانعة تدخل الدولة أو تملكها للأصول الإنتاجية للسلع والخدمات.

وكان الخلاف الكبير بين المفكرين والخبراء حول: إلى أي مدى يُسمح بتدخل ومشاركة الدولة؟  وقليلٌ  من تساءل: إلى أي مدى يتحكم القطاع الخاص في تقدم وتطور وتنمية الدول والأمم الشعوب؟.

وربما تساعدنا شهادة “شاهد من أهلها” في التعرف على أي أنواع الاقتصاد أو الرأسمالية هو الأنسب، والأكثر قدرة على تحقيق النمو والتنمية والتقدم والتطور.

اخترنا “ثلاثة خبراء” اقتصاد ومفكرين أكاديميين أمريكيين، منهم من حصل على “نوبل” في الاقتصاد، واخترنا شهاداتهم التي وضعوا خلاصتها في كتاب بعنوان “الرأسمالية الطيبة والرأسمالية الخبيثة واقتصاديات النمو والرخاء”، ترجمة مركز المشروعات الدولية الخاصة (الأمريكي) CIPE ، وأصدره كتاب المصري اليوم عام 2007.

والثلاثة هم “وليام جاي بومول، وبروبرت إي ليتان، وكارل جاي شرام” ،فماذا قالوا؟

قسموا أنواع الرأسمالية في نصف القرن الأخير (آخر 50 سنة مضت) إلى أربعة أنواع:-

الأول: “الرأسمالية الموجهة من الدولة”: حيث تحاول الحكومات توجيه السوق في أغلب الأحوال؛ من خلال مساندة  صناعات معينة تتوقع تأكد فرصتها في النمو.

الثاني: “رأسمالية القلة الحاكمة” أو الرأسمالية الأوليجاركية؛ حيث تتركز معظم السلطة والثروة في يد مجموعة صغيرة من الأفراد والعائلات.

الثالث: “رأسمالية الشركات الكبيرة”:  حيث تقوم شركات عملاقة مستقرة بأكبر الأنشطة الاقتصادية.

الرابع : “رأسمالية ريادية الأعمال”: حيث تلعب الشركات الصغيرة المبتكرة دورًا كبيرًا .

الغريب أن “حُّكم” الخبراء أو ” تقييمهمم العلمي” للأنواع الأربعة كان سلبيًا للغاية كما يلي:-

  • إدانة واضحة للاقتصاديات القائمة على “الرأسمالية الموجهة من الدولة” وأنه على الرغم من أن مميزاتها، لكن عيوبها أكثر، وأبرزها أن “توجيه الدولة” لن يستمر للأبد؛ إذ بعد تقدم اقتصادي وتكنولوجي معين، ستفقد الدولة قدرتها على التوجيه، مثلما حدث في كوريا الجنوبية وأحيانًا في “اليابان. ويذكر الكتاب أن معظم “النمور الآسيوية” حققت تقدمها باقتصاد موجه من الدولة، لكنها تداركت السير فيه إلى النهاية .
  • “إدانة كاملة” للاقتصاد المبني على” رأسمالية القلة الحاكمة” وعيوبه تطغي على أي مزايا؛ إذ من نتائجه عدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية، والفساد، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي؛ وبالتالي ضعف النمو الاقتصادي.

وحدد الكتاب دول “الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية” التي ينتشر بها هذا النوع من الاقتصاد.

  • “إدانة محدودة” للاقتصاد المبني على شركات عملاقة أو “رأسمالية الشركات الكبيرة”. وعلى الرغم من مزايا هذا النوع من الاقتصاد، فإن أهم عيوبه أنه اقتصاد “قلة محتكرة” ضد التنافسية؛ إذ يتسبب في سيطرة على الأسعار ينجم عنها مبالغة في الأرباح وبقاء شركات كسولة تعيش على تدفقاتها النقدية العالية دون رغبة في الابتكار والتجويد.
  • “شهادة قيمة” لرأسمالية ريادية الأعمال:لا ترى فيها عيوبًا بقدر ما تراها “الفرصة السانحة” لإنقاذ “مستقبل الرأسمالية”. ووصف أحدهم ريادة الأعمال بأنها تلك التي تسهم في النمو الاقتصادي عن طريق توفير قناة لنشر “المعرفة” التي كان يمكن أن تبقي محدودة دون انتشار تجاري.

ولقد اختار الكتاب- الذي صدر عام 2007-  التعريف التالي لريادة الأعمال:

“أي كيان يقدم منتجًا أو خدمة جديدة، أو أي كيان يطور ويستعمل طرقًا جديدة لإنتاج أو توصيل السلع والخدمات الموجودة حاليًا بسعر أقل وتكلفة أقل”.

ويفرق الباحثون بين “ريادة الأعمال” و”المشروعات الصغيرة”؛ فـ”رواد الأعمال” كما قال شومبيتر (عالم اقتصادي وأستاذ بجامعة هارفارد) يحققون ما يسمى بـ “التدمير الخلاق” للسوق بإطلاق سلعة أو خدمة جديدة “عرض”،  تطرد السلع القديمة وتولد طلبًا جديدًا؛  أي “تدمر” سوقًا قديمًا،  وتقدم سوقًا جديدة (عرض جديد وطلب جديد).

وتجدر الإشارة إلى أن “شومبيتر” هو أول من استخدم “مصطلح” من لفظين متناقضين:  تدمير × خلاق ومنه أخذت “كوندليزا رايس” وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مصطلح:  “الفوضى الخلاقة” وأخذ الرئيس “كلينتون” مصطلح: “الغموض البنَّاء” .

الخلاصة:

إن كتابًا قيمًا لثلاثة باحثين أكاديميين أدانو ثلاثة أشكال  للرأسمالية مرت بها اقتصاديات دول عديدة غربية وشرقية وآسيوية، وشهدوا بأن المستقبل لرأسمالية “ريادة الأعمال”، واقترحوا أن المستقبل لأمريكا بالذات وأوروبا الغربية هو رأسمالية  هجين (أي مزودجة) تجمع ما بين: (رأسمالية الشركات الكبرى + رأسمالية ريادة الأعمال).

فهل هذا هو القول الفصل؟! مزيد من المعرفة بقصة الاقتصاد، قد تمنحنا فهمًا أعمق مما وصل إليه هذا الكتاب القيم، فالعالم تغير بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008.

عن م. عزمي مصطفى

م. عزمي مصطفى استشاري المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال

شاهد أيضاً

الاستقلال المادي للمرأة

لا أرى عيبًا أو نقصًا في عمل المرأة، ومشاركتها الرجل في تنمية مجتمعها، وخدمة دينها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.