“دعوة للمعرفة ” – (15) قصة الاقتصاد

عرفنا معًا أن “التنمية المستدامة” نشأ عنها ما يُسمى بـ “الاقتصاد الأخضر”، والذي ينبغي أن نتعرف عليه من حيث مفهومه، وأهدافه، وتطبيقاته. لكن بل ذلك، لابد من الرجوع إلى أصل ومفهوم “الاقتصاد”، ومدارسة واتجاهاته العالمية المختلفة، وأنواعه؛ أي

“قصة الاقتصاد”.

في رحلة البشرية للتنمية، انتقلت الإنسانية من مرحلة الانتقاء إلى الصيد، إلى الرعي، إلى الزراعة، ومنها عرفت البشرية الصناعة، والتجارة، والتبادل والتعاون والتشارك، فما هي المراحل التي مرت بها البشرية اقتصاديًا ووفق أي  مدارس؟.

“الاقتصاد” لغويًا هو “التوسط” بين الإسراف والتقيد، ومن تعريفاته: ” علم من العلوم الاجتماعية يدرس السلوك البشري والرفاهية لإيجاد أفضل البدائل المناسبة لمعالجة الموارد القليلة لمقابلة الاحتياجات الكثيرة”.

والمفهوم الذي نرتاح له هو أن “الموارد الطبيعية” محدودة، مهما كانت كمياتها كبيرة مثل (البترول / الغاز/ المياه/المعادن/ المحاجر/ الغابات..إلخ)؛ أما الاحتياجات البشرية فهي كثيرة ومتزايدة ولا سقف لها ( الغذاء/ الكساء/ السكن/ المأوى / التعليم/ الصحة /الثقافة/ الترفيه/ الرياضة/ السفر/ المغامرة..إلخ)، والاقتصاد هو العلم الذي يوازن ما بين إدارة  هذه الموارد المحدودة، وتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وهنام مدارس متنوعة للاقتصاد، لكن  أشهرها:

مدرسة “آدم سميث” صاحب الكتاب الشهير “ثروة الأمم”، ويحدد الثروة في ثلاثة: “الأرض/ رأس المال / العمل” . وتعتمد فلسفته- التي أسست “للرأسمالية”-  على أن

“الناس يتصرفون بناء على مصالحهم؛ لذلك يملكون القدرة على إنتاج السلع والخدمات المهمة لهم لمجتمع واحد”.

واعتقد أن هناك ما يسمى ” باليد الخفية” التي تنظم السوق، وما عرف بعد ذلك بالعرض والطلب.

و”آدم سميث” بتركيزه على “الفرد” و”مصلحة الفرد” و”اليد الخفية” التي تنظم السوق  وضع أسس “النظام الاقتصادي الرأسمالي”.

  • مدرسة “كارل ماركس”؛ وهو فيلسوف أيضًا وعالم اجتماع مثل “آدم سميث”، لكنه على النقيض منه، بل اتهم أفكاره بعدم الاستقرار، وأن أرباح المصانع التي حققها (الأفراد) ناتجة عن استغلال العمال (مثلما قام الإقطاعيون باستغلال الفلاحين)، وأكد “ماركس” أن هناك صراعًا طبقيًا؛ نتيجة الممارسة الرأسمالية؛ لذا توقع انهياره، ورجح امتلاك العمال لوسائل الإنتاج.
  • مدرسة جون كينز: ظهرت مع الأزمة المالية العالمية 1930 (أزمة الكساد العظيم)، وكان يرى ضرورة تعاون الحكومة مع القطاع الخاص؛ لدعم الطلب على السلع والخدمات.

أي إننا أمام ثلاث مدارس اقتصادية، يرى أولها أن القطاع الخاص والأفراد هم قاطرة الاقتصاد(الرأسمالية)،  بينما يرى ثانيها العكس؛ أي ملكية الدولة (الاشتراكية)، والعمال هي الأساس، أما الثالثة فترى أن تدخل الدولة في الاقتصاد والملكية مع القطاع الخاص هو الأنسب(خليط بين النظامين السابقين).

انكمش النظام الاقتصادي الاشتراكي وكاد يختفي؛ لقلة الكفاءة؛ كون عمال الرأسمالية زادت دخولهم عن عمال الاشتراكية، عكس ما توقعت الاشتراكية، فيما  عاني النظام الرأسمالي من عدة أزمات خانقة أعوام 1930/1997/2008 فشهد العالم زيادة في عدد الفقراء، وأكبر قدر من اللامساواة،  وسوء توزيع الدخل؛ حتى إن 80% من الثروة في أمريكا في يد 1% فقط من السكان، فيما يمتلك 3 مليارديرات فقط نحو 50% من ثروة أمريكا.

إذا كانت الرأسمالية نتيجتها اللامساواة واللاعدالة الاجتماعية، والاشتراكية قد اندثرت، فأين النظرية الاقتصادية التي تناسب بشر الألفية الثالثة؟ .

عن م. عزمي مصطفى

م. عزمي مصطفى استشاري المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال

شاهد أيضاً

“دعوة للمعرفة ” (21) – “اقتصاد المعرفة”

يتساءل البعض: كيف، ولماذا نشأ اقتصاد المعرفة؟ وما مفهومه ؟، والإجابة تجدها في السطور التالية… …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.