“دعوة للمعرفة ” (13) – التنمية المتوازية والشاملة

المراجعة والتفكير والحوار أدوات مهمة لتقدم البشرية، مثلما كان التأمل والتجربة والخطأ والاستكشاف أدوات مهمة للتقدم في تاريخ الإنسان القديم.

ولقد أثارت المراجعة وإعادة التفكير والحوار، عدة استفسارات وأسئلة، تمثل مفاتيح مهمة للعلم والمعرفة.

وكان من أهم الأسئلة المثارة: أيهما له “الأولوية” والسبق؛ التنمية الاقتصادية أم الاجتماعية أم السياسية؟!. إنه سؤال صعب، حير المفكرين والخبراء؛ فاختلفوا في إجاباتهم وفق اختلاف مدارسهم وانحيازاتهم الفكرية. وقبل الإجابة أو محاولة الإجابة، دعونا نحاول فهم كل من التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية:

التنمية الاجتماعية: تهتم بالاحتياجات الأساسية المادية والمعنوية للبشر؛ مثل الصحة، والتعليم، والنقل، والاتصالات، ورعاية الأمومة والطفولة، وتمكين المرأة وذوى القدرات الخاصة، ونظم التأمينات والمعاشات والتكافل والضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والخدمات الثقافية والترفيهية، والسلام والعدل الاجتماعي والعدالة والأمن، إلى جانب الاحتياجات الأساسية من غذاء وكساء وسكن ومأوى، وفرص عمل، والحد من الفقر.

التنمية الاقتصادية : تهتم بتنمية القطاعات والأنشطة المنتجة للسلع والخدمات مثل الصناعة، والزراعة، والسياحة، والتعدين والبترول والغاز، والتشييد، والتجارة والمال، والتأمين والبنوك، والنقل والمواصلات والاتصالات. وتسعى إلى توفير السلع والخدمات بأسعار وجودة مناسبة؛ لتغطية الطلب المحلي والتصدير، وإحلال الواردات والاستثمار لصالح الأجيال المقبلة.

وإذا لاحظنا مدى التداخل بين أهداف ومتطلبات كل من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وجدنا أن العلم والمعرفة والخبرة والتجربة قد أهدتنا الإجابة، كما يلي:

بظهور علم اللوجيستيات Logistics وانتشار فنونه؛ لتتجاوز عمليات كفاءة نقل السلع والخدمات والأفراد في أنسب وقت وتكلفة، دخل هذا العلم مجالات عديدة بالتشابك مع علم إدارة الوقت Time management . ومن هذه العلوم، ظهر أن موضوع الأولوية Priority متشابك مع موضوع الأهمية Importance ، وأن كون الموضوع “مهم”، لا يعني أنه “عاجل” ، وأن الذي له “أولوية” ليس الأكثر أهمية. وأن هناك ما يسمى “الترتيب المنطقي” أو “الترتيب اللوجيستي” للأمور؛ وهو الترتيب الذي يحقق أعلى كفاءة وأكبر فاعلية.

مثال على ذلك؛ عند الشروع في بناء مجمع للبتروكيماويات، تكون الأولوية لتشييد الطريق الموصل لموقعه، قبل البدء في تشييده، وربما البدء في تجهيز الميناء الذي سيخدمه في تصدير منتجاته واستيراد معداته. ولاشك في أن المجمع أهم من الطريق أو الميناء، لكنَّ الترتيب اللوجيستي يجعل الأولوية لتشييد الطريق وربما الميناء قبل المجمع.

مثل هذا يحدث في “التنمية الاقتصادية” و”التنمية الاجتماعية”، فكلاهما مهم، لكنَّ المهارة في الترتيب اللوجيستي المناسب؛ إذ ثبت أنه لا “تنمية اقتصادية رشيدة” دون بُّعد اجتماعي في الخلفية، كما أنَّه لا تنمية اجتماعية مستدامة، دون بعُّد اقتصادي في الخلفية.

وكانت إجابه السؤال هو ظهور ما يسمى “بالتنمية المتوازية”؛ أي تحقيق “التنمية الاقتصادية” مع “التنمية الاجتماعية” بالتوازي. ولكن يبرز سؤال آخر عن الوزن النسبي لكل منهما؛ أي لو كانت استثمارات التنمية 100 مليار دولار مثلًا، موزعة بالتوازي على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليبدآ معًا، فما نصيب كل منهما؟. وتأتي الإجابة بـ “التنمية المتوازنة”؛ أي”لوجيستية” أيضًا؛ بمعنى تنمية متوازية، يكون فيها حجم الإنفاق حسب الحاجة اللوجيستية لكلٍ منهما.

إذًا هناك “تنمية متوازية” و”تنمية متوازية ومتوازنة”، فعندما تكون هناك “تنمية متوازية متوازنة” اقتصادية واجتماعية وسياسية في الوقت نفسه، نكون قد وصلنا لما يسمي بـ “التنمية الشاملة”؛ أي تلك التنمية التي تأخذ بجميع فروع التنمية معًا بالتوازي والتوازن الذي يحدده عمر التنمية لكل فرع ودرجة نضجها”.

عن م. عزمي مصطفى

م. عزمي مصطفى استشاري المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال

شاهد أيضاً

“دعوة للمعرفة” (19) – المزايا النسبية والتنافسية للاقتصاد

نستعرض معًا “سياسة” أو “وسيلة” المفاضلة بين الفرص المتاحة، والتي تتعلق بما يسمي “المزايا” النسبية”، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *