خصخصة الأندية الرياضية..والتغلب على أزمة التمويل

إعداد: سميح جمال

أقر مجلس الوزراء مؤخرًا، خصخصة الأندية الرياضية التي تشارك في بطولة الدوري السعودي لأندية الدرجة الممتازة لكرة القدم، وتحويلها إلى شركات بالتزامن مع بيعها، على أن تتولى الهيئة العامة للرياضة منحها تراخيص.

وتقوم الهيئة العامة للرياضة، بوضع الضوابط والشروط اللازمة لممارسة شركات الأندية نشاطها، مع تكوين لجنة تشرف على متابعة استكمال مراحل خصخصة الأندية الرياضية وتنفيذ إجراءاتها، في خطوة على طريق التسويق والاستثمار الرياضي والذي يخلص الأندية من مشاكل الديون والتمويل.

وبينت “مصادر” أن تكتلًا رباعيًا اتحاديًا مكونًا من رجال أعمال يترأسهم “مالك شركة كبرى متخصصة في الاستثمار الرياضي”، أبدوا رغبتهم للأمير عبدالله بن مساعد؛ رئيس الهيئة العامة للرياضة، في شراء فريق كرة القدم بنادي الاتحاد على أن تعلن تفاصيل القيمة السوقية للنادي بعد إعلان الشراء بصفة رسمية.

 وتسابق الإدارة الاتحادية برئاسة المهندس حاتم باعشن، الزمن نحو ترتيب الملف المالي وما يحتويه من أوراق، على رأسها “الديون وتنويع مصادر الدخل واستثماراته”؛ وذلك بمتابعة من رئيس الهيئة العامة للرياضة والمستثمر الرياضي؛ حيث نجحوا في تقليص الديون بصورة تدريجية، وسط توقعات بانخفاض القيمة مع انتهاء الموسم الرياضي لرقم يؤهل للانتقال للمحور الثالث من خلال “تدعيم صفوف الفريق الكروي بلاعبين”، والعمل عليه بعد الانتهاء من المحورين الأساسيين: “تقليص الديون، وإيجاد رعاة” ، والجاري العمل عليهما في هذا الموسم، بحسب الاتفاق بين إدارة النادي التنفيذية والشخصيات المهتمة بتطبيق مشروع الخصخصة.

خصخصة ثلاثة أندية

وبحسب تأكيدات الأمير عبدالله بن مساعد؛ رئيس الهيئة العامة للرياضة، سيتم خصخصة ثلاثة أندية خلال ستة أو سبعة أشهر، لافتًا إلى أن دراسة مشروع خصخصة الأندية ستشكل تغييرًا كاملًا للأنظمة الحالية، وتلغي دور المتطوعين في المستقبل، متوقعًا أن يحدث هذا المشروع نقلة نوعية كبيرة في مسيرة الرياضة السعودية بصفة عامة ، والأندية الرياضية بصفة خاصة، بما يضفي مزيدًا من الاحترافية على طبيعة عملها ودورها في صناعة رياضة حديثة ذات ملاءة مالية قوية، تعزز من قدراتها التنافسية، ورفع مستوى حضورها على خريطة الرياضة العالمية.

وحول كل هذه الترتيبات ومصير الأندية وفكرة الخصخصة والاستثمار، تباينت الآراء منذ صدور القرار، وحتى الآن، ما بين متفائلين يرونها حلًا لمشكلة التمويل وتوفير المال للأندية، وبين متحفظين على الفكرة لاعتبارات عديدة.

 

توفير ملايين مهدرة

أوضح خالد الربيعان؛ مستشار الاستثمار والتسويق الرياضي، أن الأندية- في ظل افتقاد منظومة الخصخصة منذ سنوات وحتى الآن- خسرت ملايين الريالات لضياع مستحقاتها من النقل التليفزيوني للمباريات، ونسب الإعلانات الخاصة بها، واستغلال شعارات الأندية تجاريًا، واستغلال لاعبيها في الدعاية والإعلان وتحقيق الربحية من ملابس الفريق، وغيرها من الحقوق.

وأشار إلى أن بالمملكة أكثر من 150 ناديًا، منهم نحو عشرة هم الكبار، والباقي بعيد تمامًأ عن المنافسة الرياضية والشهرة الإعلامية،  ناهيك عن تخبط كافة الأندية في متاهة مالية واستثمارية، بينما في دول العالم المتقدم – وخاصة أوروبا- يتم الاعتماد على الاستثمار الرياضي منذ زمن، فنرى تسيُّد الأندية الأوروبية على عرش الموارد المالية الرياضية عبر البطولات التي تحصدها.

وأضاف أن رؤية التحول الوطني أطلقت يد الاستثمار والخصخصة التي أقرها مجلس الوزراء رسميًا ، كما ازداد الوعي لدى القيادات الرياضية والإدارية بالأندية بأهمية الاستثمار والتسويق الرياضي.

صندوق بـ 600 مليون دولار:

ويفيد “الربيعان” أن المبشرات كثيرة؛ منها إنشاء صندوق الرياضة بقيمة تصل إلى 600 مليون دولار، تستخدم في دعم الأندية، و40 ألف فرصة عمل في تقديرات أولية يستفيد منها الشباب السعودي الذي طالما طالب بدور هام له في العملية الرياضية.

وقال إن تقييم الأندية يخضع لعدة عناصر؛ من ضمنها المنشآت، التي ستكون تابعة للحكومة بحسب التقييم، فيما سيصبح المستثمر مخيرًا بين شرائها وتأجيرها من الحكومة بسعر رمزي، مع مراعاة اسم الشهرة عند تقييم الأندية، واللاعبين كمقياس إضافي لأصول النادي، وكذلك تاريخ النادي وبطولاته.

وأضاف أنه سيتم طرح قيام  المستثمرين ببناء ملاعب جديدة، كبديل للأصول العقارية الخاصة بالنوادي، فيما ستتراوح مبالغ التقييم ما بين 80 و800 مليون ريال ، وفي حالة تساوي الطالبين للنادي، سيتم عمل مفاضلة أو مزايدة للانتقال إلى السعر الأعلى.

وحدد “الربيعان” الأندية الأربعة الكبرى، على رأسها الهلال لجهة إرثه من البطولات والجماهير، ونادي الأهلي الذي يعتبر من أكثر الأندية استقرارًا ماليًا وإداريًا، وهو الوحيد الذي حصل على رعاية من خارج المملكة، من قبل الخطوط القطرية، بالإضافة إلى ناديي الاتحاد والنصر.

إجراءت فاعلة

ويرى محمد السلوم؛ الناقد الرياضي أن خصخصة الأندية جاذبة للمستثمرين، وأنه بعيدًا عن التنظير، فإن السوق لن تكون مطمئنة للمستثمرين إلا بوضع  إجراءات فاعلة لحماية منتجات الأندية من القرصنة وتهيئة البيئة القانونية الحامية والرادعة لكل أعمال القرصنة، وكذلك بيئة الملاعب الجاذبة للجماهير الذين هم هدف كل مستثمر رياضي.

ديون ضخمة

وقال يوسف الرشيد؛ المختص بالإدارة والتسويق الرياضي: “ليس سرًا أن الأندية تعاني الأمرين مع حجم الديون الضخم الذي يثقل كاهلها، خاصة مع الضعف الكبير في خلق موارد مالية من مصادر تسويقية لغياب التخصص في إدارات الأندية مع اعتمادها الكبير على الهبات الشرفية التي تصلها من أعضاء الشرف، والتي بدأت تتقلص مؤخرًا مع تزايد أخبار خصخصة الأندية، وانتظار أعضاء الشرف حتى هذه المرحلة ليكون ضخ أموالهم على شكل أسهم في ملكية الأندية مباشرة.

وأضاف: في جانب آخر من موضوع الخصخصة سيكون للأندية الجماهيرية السبق في تحقيق النجاح عبر الخصخصة التي تملك من الجاذبية ما يدفع المستثمرين للحصول على حصة الأسد من أسهم تلك الأندية، غير أن هذا الأمر لن يمنع الأندية المحترفة الأخرى من الخصخصة، وتحديدًا مع تواجد صندوق تنمية الرياضة “الخطوة الأخرى الجميلة وغير المسبوقة في تاريخ رياضتنا” الذي يضع المساهمة في خصخصة الأندية أحد أهم أهدافه الرئيسة، فلا نستبعد تمويل خصخصة أندية الوسط في الدوري الممتاز من إيرادات خصخصة نادي كبير مثل الهلال.

البيئة المناسبة للاستثمار

وحول دخول رجال الأعمال للمجال، بيَّن يوسف الرشيد أنه لا شك في أن المستثمرين- كأفراد أو مؤسسات- يبحثون عن الربحية، وكذلك البيئة المناسبة لاستثمار أموالهم؛ لذا متى ما كانت عملية الخصخصة ذات إطار قانوني واضح يحفظ حقوق المستثمرين وترتبط بمؤسسات رياضية تشارك المستثمرين النجاح، فسوف نرى دخول عدد كبير من المستثمرين للقطاع الرياضي، يساعد على نجاح خطة التحول المستقبلية.

 وأضاف أن هيئة الرياضة استعدت جيدًا لهذه المرحلة، وما إعلان إنشاء مركز التحكيم الرياضي السعودي كجهة فصل قانونية مستقلة ماليًا وإداريًا ومحايدة كذلك، إلا مرحلة استباقية لخصخصة القطاع الرياضي؛ ما يطمئن المستثمرين على قدرة القطاع الرياضي على جذب استثمارات كبيرة وجريئة وهو القطاع الذي استطاع جذب العديد من القطاعات التجارية للاستثمار والتسويق الرياضي من خلالها إيمانًا بقدرة الرياضة على خلق فرص استثمارية ذات مردود مالي مناسب.

عمل مؤسساتي متكامل

وأضاف الرشيد: “واقعنا الحالي يفرض علينا خفض مستوى التوقعات لضمان سير عملية الخصخصة بالطريق الصحيح نحو النجاح المنتظر، دون عثرات فرضها ارتفاع مستوى التوقعات؛ لأن الخصخصة لن تأتي فقط بالأموال فهناك الأهم والمنتظر أيضًا منها -عبر تواجد مكثف للكفاءات الإدارية “الموارد البشرية” الهياكل الإدارية والتي ستفرض تنظيمًا مميزًا للأعمال داخل المنظومات الرياضية- وهي الأطر والتشريعات المنظمة لحكومة العمل الإداري. كما ستقدم الخصخصة عملًا مؤسساتيًا متكاملًا يضمن  الاستمرار وفق خطط واستراتيجيات تسويقية متكاملة تضمن الاستفادة من كافة الفرص المتاحة والمخفية تجاريًا، وخلق عوائد مالية تندرج ضمن المؤشرات الاقتصادية في منظومة الاقتصاد الوطني بعد أن كانت وعاءً ينتظر الإعانة الحكومية السنوية.

خطوة نحوالطريق الصحيح

وأكد الدكتور محمود فلاتة، أستاذ إدارة الأعمال المساعد بجامعة أم القرى والخبير في التسويق الرياضي، أن قرار الخصخصة يبث نوعًا من التفاؤل في الوسط الرياضي الذي تعاني فيه الأندية من أزمات مالية حادة؛ إذ يمثل خطوة نحو الطريق الصحيح، ولكن هناك عدة تحديات يجب تخطيها حتى تتحقق الأهداف المرجوة؛ أولها وضع أنظمة ولوائح واضحة تعمل من خلالها الأندية، تحدد دور الجهات المختلفة ذات العلاقة، وأقصد بذلك وزارة التجارة والاستثمار وهيئة الرياضة وغيرهما.

وأضاف أنه يجب أيضًا أن تكون الرؤية واضحة بالنسبة للأندية حول حوكمتها، فالعلاقة بين مالك النادي والجمعية العمومية ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، يجب أن تكون محددة ومنظمة لضمان وجود عمل مؤسسي، وعدم ازدواجية العمل؛ وبالتالي غياب المسؤولية وانحدار الأداء المؤسسي.

وأشار إلى هناك تحديًا آخر يتمثل في ضرورة وجود العناصر البشرية المناسبة والمؤهلة لإدارة الأندية الرياضية بطريقة احترافية، فمالك النادي  سيبحث عن الربح؛ ما يتطلب وجود رأس المال البشري الكفؤ؛ إذ تخبرنا الدراسات العلمية بأن العنصر البشري هو أهم أسباب الميزة التنافسية للمؤسسات.

الدور التسويقي

واشار إلى أن عملية تقييم الأندية لن تكون سهلة، فهناك عوامل يمكن الاعتماد عليها في تقييم ربح الشركات، إلا أن خصوصية الأندية الرياضية يجب أن تراعي عوامل أخرى كعدد البطولات والحضور الجماهيري وغيرها. وبالتأكيد يعود الأمر في النهاية إلى وجود المستثمر الراغب في الشراء ورؤيته لمستقبل النادي من الناحية الاستثمارية.

وأوضح الدكتور محمود فلاتة أنه يجب أن يكون للتسويق الرياضي دور فعال وكبير بعد الخصخصة؛ وذلك بإنشاء أقسام تسويق مختصة داخل النادي تقوم بدورها التسويقي لزيادة موارد النادي؛ لأنها كشركة ربحية، يجب أن تستغل الفرص المتاحة لديها استثماريًا وتسويقيًا للحصول على موارد ثابتة بعد انقطاع الدعم الحكومي والدعم الشرفي المجاني. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يجب الاستفادة من التذاكر الموسمية ودخل يوم المباراة، مع بناء استادات خاصة في المستقبل للأندية الكبرى على الأقل، وحينها سيكون العائد الاستثماري كبيرًا جدًا.

وأضاف أن خصخصة الأندية لا تعني الانتقال من مرحلة الديون إلى الربح مباشرة، فالخصخصة ليست إلا خطوة أولى؛ لأن ربح النادي- كحال الشركات في مختلف القطاعات- يعتمد على موارد النادي وحسن إداراتها. أضف إلى ذلك، أن السنوات الأولى بالتأكيد ستكون حافلة بالصعوبات، كما ستحفل بخسائر مادية تتطلب من مالك أو ملاك النادي التعامل معها بصبر وتطلع للمستقبل.

أفضل قرار

وبيَّن الدكتور مقبل بن جديع؛ مستشار ومدرب إدارة وتسويق رياضي، أن قرار تطبيق مشروع الخصخصة من أهم القرارات الرياضية في تاريخ المملكة إن لم يكن أهمها على الإطلاق، لما سيشكله من نقلة نوعية منتظرة لكرة القدم بإذن الله تعالى، متوقعًا أن يكون تطبيق الخصخصة وفق تشريعات دُرست بعناية؛ لتكون قاعدة لنظام شامل ومتكامل، يقود لعمل مؤسسي منظم يسير وفق قانون واضح، يمثل خريطة طريق تحفظ الحقوق، وتوضح علاقة المستثمر بالأندية وبالسوق الرياضي.

ويضيف، أن الجميل في الأمر تزامن قرار تطبيق الخصخصة مع قرار إنشاء صندوق التنمية الرياضي، وتشكيل  لجنة تشرف على مشروع الخصخصة برئاسة الأمير عبدالله بن مساعد؛ ما يساهم في ضمان نجاح المشروع لخضوعه للمراقبة من خلال تلك اللجنة ، التي تقوم مهمتها على تذليل الصعاب أولًا بأول؛ كي ينجح هذا المشروع.

مورد مالي هام

وأشار إلى أن صندوق تنمية الرياضة “المنتظر”، سيشكل موردًا ماليًا هامًا لهيئة الرياضة، يتم الصرف منه على الاتحادات والألعاب المختلفة والفئات السنية؛ ما يعطي مؤشرات إيجابية على نجاح مشروع الخصخصة بإذن الله تعالى؛ لأنه روعي فيه كافة الجوانب ،وخاصة وان دخل الصندوق من الخصخصة سيعاد إنفاقه على تطوير الرياضة بشكل عام، لنحقق نهضة رياضية شاملة، وليس كرة القدم فقط.

أما المردود على الأندية التي سيتم خصخصتها – حسب الدكتور مقبل – فيكفي أن تُعاد هيكلة الأندية من جديد وتستقطب أشخاصًا مؤهلين يساهمون في تحويل الأندية لكيانات تجارية بشكل صحيح ومثمر، بعيدًا عن العشوائية السابقة؛ الأمر الذي يحقق طفرًة تجاريًة مميزة لكافة الأندية.

 وحول مدى تقبل المستثمرين فكرة الاستثمار في المجال الرياضي قال: “إذا كانت الشركات وبعض رجال الأعمال قبل الخصخصة يتهافتون على الأندية لدعمها ورعايتها بحثًا عن الانتشار والظهور الإعلامي والوصول للشريحة المستهدفة، فكيف تكون الحال بالك بعد الخصخصة؟”.

وأضاف: أكاد اجزم بأن مزيدًا من الشركات ورجال الأعمال سيدخلون في المجال الرياضي ليس فقط بحثًا عن الترويج والظهور الإعلامي كنشاط تسويقي محض، بل كمستثمرين يبحثون عما هو أبعد من التسويق، ولكن ذلك يحتاج بضعة أشهر بعد أن يراقبوا الوضع، ويتأكدوا من أن أنظمة وقوانين الخصخصة طبقت بالشكل الصحيح الذي يحميهم ويضمن لهم حقوقهم.

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

تقرير جدوى للاستثمار: 1.6 مليار دولار ارتفاعًا في احتياطي الموجودات الأجنبية لدى “ساما”

كشف تقرير جدوى للاستثمار لشهر أغسطس عن ارتفاع احتياطي الموجودات الأجنبية لدى “ساما” بنحو 1،6 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *