خريطة الاستثمارات السعودية

شكلت اهتمامات الدولة بالنشاط الاستثماري، ودعمها المستمر لوصوله إلي جميع المجالات، وجذبه نحو تحقيق أهداف التنمية، أحلى وأبهج خريطة استثمارية واضحة وواعدة بالنسبة للمستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء في المملكة.

والخريطة الاستثمارية ما هي إلا وثيقة تشتمل على بيانات أساسية وتفصيلية عن جميع الموارد الطبيعية وغير الطبيعية المتاحة في الدولة، المستغل منها وغير المستغل واقتراح المؤشرات العامة لكيفية استغلال المتاح منها الاستغلال الأمثل. مع تحديد وإظهار التوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية والقطاعية بين المناطق المختلفة في المملكة. وتسليط الضوء على مناخ ومقومات الاستثمارات بجميع أنواعها، ويشمل ذلك الموارد الطبيعية، البنيات التحتية، والتشريعات والقوانين والإجراءات المنظمة للاستثمار. ومن أهدافها إبراز الميزات النسبية للاستثمار في بعض المناطق أو القطاعات، ووضع موجهات للاستثمار تتسق مع استراتيجيات وخطط وسياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.

فمنذ صدور أول خطة للتنمية عام 1970م  وحتى نهاية الخطة التاسعة عام 2014م تطورت هذه الخريطة وتبدلت وتزينت عدة مرات: فبعد أن كانت الاستثمارات تهتم ببناء التجهيزات ثم الشوارع والكباري ومشاريع إمدادات المياه والصرف الصحي، أصبحت تهتم ببناء الإنسان السعودي وزيادةرفاهيته بالمزيد من الإنفاق على التعليم والصحة، ثم أمست تهتم بالمساهمة في القضايا الدولية والعالمية بصفتها من أكبر الدول المقررة في الشؤون العربية والإسلامية والدولية ذات الصلة بالظروف التي تعيشها تلك المجتمعات. ولنا أن نتذكر أن ضخامة الإنفاق الاستثماري لخطط التنمية في المملكة لهو أكبر دليل على أن خريطة الاستثمارات السعودية تتلألأ بكل المزايا والحوافز والمنافع التي تعود على أبناء هذا الشعب العظيم، من جراء تلك الاستثمارات. فقد تم تخصيص 485100 بليون ريال كمبلغ إجمالي لتنفيذ مشاريع خطة التنمية التاسعة، منها 279465 بليون ريال للمشاريع تحت التنفيذ، والباقي 205635 بليون ريال للمشاريع الجديدة تم تنفيذها حتى نهاية هذه الخطة في عام 2014م.

أولاً: مناخ الاستثمار في المملكة

هناك عديد من الأسباب الداعية للاستثمار في القطاعات الاستراتيجية التي تمتلك فيها السعودية مزايا نسبية عالية من وجهة النظر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالمملكة هي القلب النابض في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي يبلغ تعداد سكانهما نحو 400 مليون نسمة.

وتقع بلادنا ضمن الاقتصادات العشرين الأكبر في العالم، والمرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما تحتل المركز الثاني والعشرين ضمن 185 دولة في التصنيف العالمي من حيث سهولة أداء الأعمال وفقاً لتقرير “ممارسة أداء الأعمال “لعام 2013م الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي. وهي بذلك تكون أكبر سوق اقتصادي حر في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها تحوز على أكثر من 25% من أجمالي الناتج القومي العربي، إضافة إلى أنها  تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وتوفير الطاقة للمشاريع الاستثمارية بأقل الأسعار على مستوى جميع دول العالم؛ ما يجعلها الوجهة المثالية للمشاريع التي تعتمد على استهلاك الطاقة، إضافة إلى امتلاكها عددا كبيرا من أنواع الموارد الطبيعية الواعدة في مجال التعدين، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها منفذاً سهلاً لأسواق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ناهيك أن أسواقها المحلية تتمتع بقدرة شرائية عالية تجعلها في حالة توسع مستمر. وجدير بالذكر أن المملكة من أسرع الدول في النمو الاقتصادي على مستوى العالم، حيث إنه من المتوقع أن يزيد متوسط  دخل الفرد فيها من الدخل الوطني إلى 33500 دولار أمريكي بحلول عام 2020م، بعد أن كان 25000 في عام 2012م، أي بزيادة قدرها 34% خلال هذه الفترة.
هذا ويعتبر الريال السعودي من أكثر العملات في العالم استقراراً؛ لأنه لم يحدث في قيمته أمام العملات الصعبة أي تغير كبير في أسعاره خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولا توجد هناك أية قيود مفروضة على الصرف والتحويل بالعملات الأجنبية وتحويل رؤوس الأموال والأرباح للخارج،  أما بالنسبة لمعدلات التضخم في المملكة العربية السعودية فهي منخفضة نسبيا، مقارنة بالمعدلات العالمية، حسب تقارير مؤسسة النقد العربي السعودي التي هي بمثابة بنك الإصدار وبنك الدولة، وكذلك بنك البنوك السعودية. كما تسعى الدولة إلى توقيع اتفاقيات ثنائية مع عدد من الدول فيما يتعلق بتشجيع وحماية الاستثمار، ومنع الازدواج الضريبي، حسب اتفاقية منظمة الجات العالمية.

ولقد تضاﻓﺭﺕ  جهود مختلف ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ الحكومية والأهلية خلال  ﺍﻟﺨﻁﺔ التنمية التاسعة ﻟﺘﺤﺴﻴﻥ مناخ ﺍﻻﺴﺘﺜﻤﺎﺭ، خاصة جهود الهيئة ﺍلعامة للاستثمار، ﺍﻟﺘﻲ انطلقت من خلال ﺇﻋﺩﺍﺩ استراتيجية متكاملة  تضمنت ﻋﺩﺩ من ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺍﺕ ﺍﻟﺭﺌﻴسة، ﻭﺍﻟﺘﻲ تتلخص ﻓﻲ.

–  تقديم تسهيلات وخدمات شاملة ﻭتوفير المعلومات ﻟﺠﻤﻴﻊ المستثمرين.

التسويق ﻭﺍلترويج ﻟﻠﻔﺭﺹ الاستثمارية المرتبطة بالمزايا ﺍﻟﻨﺴﺒﻴﺔ للمملكة.

–  الإسهام ﻓﻲ تحقيق ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻭﺍﺯنة لمناطق ﺍﻟﻤﻤﻠﻜﺔ.

– استقطاب مستثمرين جدد من خلال عرض الفرص الاستثمارية على المستثمرين الدوليين المستهدفين، فضلا عن إيجاد جيل جديد من المستثمرين الوطنيين.

– التركيز على جذب الاستثمارات للقطاعات الاقتصادية الواعدة.

– تحسين المناخ الاستثماري من خلال تيسير الإجراءات وتذليل المعوقات.

ﻭفي سبيل تحقيق ذلك تم توقيع العديد من الاتفاقيات  مع ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ ﺍﻟﺤﻜﻭمية ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ بالاستثمار؛ ﻭﺫﻟﻙ لوضع ﺁﻟﻴﺎﺕ ﻭحلول عملية ﻟﻠﺘﻐﻠـﺏ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﺘﺤﺩﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ تواجه رجال ﺍﻷﻋﻤﺎل ﻭﺍﻟﻤﺴـﺘﺜﻤﺭين عند إقامة مشروعاتهم الاستثمارية بالمملكة، حيث تركز تلك ﺍﻻتفاقيات ﻋﻠﻰ تحسين بيئة ﺍﻻسـﺘﺜﻤﺎر لاسـﺘﻘﻁﺎﺏ ﺍﻻستثمارات ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺍﻷجنبية على حد سواء.

ثانياً: أهداف الاستثمار بالمملكة

تسعى المملكة لتوطين وجذب الاستثمارات التي تعزز من تنافسيتها من خلال استحداث وظائف متميزة بهدف توطين الأيدي العاملة السعودية، ونقل التقنية وتوطينها، وتنويع مصادر الدخل، وذلك لتحقيق أهداف الخطة الاستثمارية، التي من بينها: زيادة ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ ﺍﻟﺩﻭﺭ التنموﻱ  للاستثمارات الأجنبية وﺍﻟﻭﻁﻨﻴﺔ؛ وﺍلتوسع في المجالات ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻜﺔ بين الاستثمارات الحكومية والأهلية، ﻤﻊ ﺍﻟﺘﺭﻜﻴﺯ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺭﺹ ﺍﻻﺴﺘﺜﻤﺎﺭﻴﺔ ﺍﻷﻜﺜﺭ إسهاماً ﻓﻲ تنويع ﺍﻟﻘﺎﻋﺩﺓ ﺍﻻﻗﺘﺼـﺎﺩﻴﺔ ﻭﺘﺤﻘﻴـﻕ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴـﺔ ﺍﻟﻤﺘﻭﺍﺯﻨﺔ؛ وﺘﻔﻌﻴل ﺩﻭﺭ ﺍﻻﺴﺘﺜﻤﺎﺭ في تحقيق ﺍﻻﻨﺘﻘﺎل ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻘﺎﺌﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺭﻓﺔ ﻭﺘﺤﺴﻴﻥ ﺍﻹﻨﺘﺎﺠﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻘﺩﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻨﺎﻓﺴﻴﺔ؛ وتشجيع الادخار لتسريع تكوينات رأس المال في الاقتصاد المحلي، مع ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺘﻭﻁﻴﻥ ﺭﺅﻭﺱ ﺍﻷﻤﻭﺍل ﺍﻟﻭﻁﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﻬﺎﺠﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ومساعدتها في أن تأخذ مكانتها ومشاركتها في عمليات التنمية.

ثالثا: حوافز الاستثمار في المملكة
1- الحوافز التنظيمية
تتميز البيئة الاستثمارية في المملكة العربية السعودية بتطورها المستمر،  ويمثل ذلك عاملا جذب للاستثمار الأجنبي إلى المملكة. ويرأس خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله المجلس الاقتصادي الأعلى السعودي، المسؤول عن رسم السياسة الاقتصادية وبلورتها وتدبير الشؤون والقضايا الاقتصادية وإدارتها والتركيز على بناء اقتصاد وطني فعال منتج حسبما تقتضيه المصلحة، ومن ذلك الإشراف على الاستثمارات الأجنبية وتشجيعها ؛ وعلى ضوء توجيهات المجلس فقد أصدرت المملكة  نظام الاستثمار الأجنبي عام 2000م، قدمت فيه حوافز تنظيمية من أهمها:
• تأسيس الهيئة العامة للاستثمار  لتكون الجهة المسؤولة عن إعطاء تراخيص الاستثمار للمستثمرين الأجانب والتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة من أجل إكمال إجراءات الموافقة والتصديق عليها.
• سرعة البت في الطلبات وتسجيل المشاريع وإنهاء الإجراءات التنظيمية خلال 30 يوماً من استيفاء متطلبات ومستندات منح  الترخيص من الهيئة العامة للاستثمار.
•  تمتع منشآت الاستثمار الأجنبي بالمزايا والحوافز والضمانات التي تتمتع بها المنشآت الوطنية بحسب الأنظمة والتعليمات.
• تعديل نظام الشركات بإلغاء الحد الأدنى المطلوب لرأس المال للشركات ذات المسؤولية المحدودة.
•تملك العقارات ذات العلاقة المباشرة بالمنشأة المرخصة من الهيئة بما في ذلك الإقامة والسكن للموظفين.
• السماح بتحويل رأس المال والأرباح للخارج.
• حرية حركة الأسهم بين الشركاء وفقاً للأنظمة ذات العلاقة.
• حق المشروع المرخص به في كفالة المستثمر الأجنبي وموظفيه من غير السعوديين.

2- الحوافز الصناعية

وتشتمل على ما يلي:

(أ) تقديم القروض والمشاركة الرأسمالية وبشروط سهلة ومشجعة.

(ب) مساعدة رجال الأعمال في تكوين شركات صناعية فيما بينهم مع المساعدة في تنظيمها.

(ج) المساعدة في اختيار المشاريع الصناعية وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية لها وتقييمها.

(د) تقديم الدعم الفني والمالي اللازم لتشغيل المصانع.

(هـ) إعفاء المكائن والمعدات والمواد الخام من الرسوم الجمركية.

(و) إعفاء حصص الشركاء الأجانب في رؤوس أموال المشاريع من ضرائب أرباح الشركات كما نص على ذلك نظام الاستثمار.

(ز) إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية.

(ح) فرض ضرائب جمركية على المنتجات الأجنبية المنافسة؛ وذلك لحماية المنتجات المحلية.

(ط) منح قطع الأراضي في المدن الصناعية لإقامة المصانع عليها، بإيجارات سنوية رمزية.

(ي) تقديم الدعم اللازم لتدريب العاملين السعوديين.

(ك) المساعدة على تصدير المنتجات الوطنية.

(ل) تهدف سياسة الدولة – بالنسبة للمشاريع الصناعية كبيرة الحجم التي لا يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص بمفرده – أن تتكفل الدولة فيها بتمويل بعض رؤوس الأموال اللازمة لقيامها.

(م) توفر الدولة كل المرافق العامة والتجهيزات الأساسية التي لا بد منها لقيام الصناعات ذات الجدوى الاقتصادية، وبما أن الحكومة تدرك أهمية التنمية الشاملة وضرورتها؛ لتحقيق التقدم الصناعي المرتقب فإنها تبذل كل إمكاناتها في تطوير جميع قطاعات المملكة الاقتصادية، بحيث توفر للمنتجين ما يكفيهم من الموارد المحلية الملائمة، وترفع من مستوى القدرة الشرائية لدى المستهلكين، كل في إطار اقتصاد وطني مزدهر. ولقد نتج عن ذلك وصول عدد المصانع القائمة الـ 5862 مصنعا، يعمل فيها 766908 عاملين، بتمويل قدره 856631 مليون ريال، حتى نهاية عام 2013م. مع التذكير بأن هناك الكثير من الحوافز والإعفاءات الأخرى المماثلة في المجالات الزراعية والسياحية والخدمية والتجارية، وغيرها.

رابعا: إنما القادم أحلى

هذه الكلمات الجميلة لسيدة الغناء العربي فكرتني بفترة التفاؤل التي عشناها ونحن نشهد ميلاد خطة التنمية الأولى في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز طيب الله ثراه، الذي كانت آماله وطموحاته في بناء دولة حديثة وعصرية قادرة على أن تنجب أبناءً أقوياء ذوي عزيمة وأصالة تستطيع أن تسهم في خدمة دينها ومليكها ووطنها بكل فخر واعتزاز، بعد أن توافرت لها الكثير من معطيات ومقومات الحياة السعيدة، والرفاهية الاقتصادية التي تجعلها تزيد وتزيد في العطاء. فمع بداية عام جديد (2015م) أدعو الله أن يحفظ لنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين وجميع أفراد الأسرة المالكة الكريمة، وتوقعاتي بأن تتطور خريطة الاستثمارات السعودية وأن تتزين بكل المشاريع الاستثمارية الجديدة التي تحتاج إليها بلادنا في المجالات والحقول التي تتوافق مع تطلعاتنا مثل: مجالات التقنية والاتصالات، واستخدامات اقتصاد المعرفة، والاستفادة من انضمام المملكة لاتفاقية منظمة الجات العالمية، كما أدعو الله من كل قلبي بأن ينصرنا في حربنا على الفقر والبطالة والتستر التجاري والجريمة وغسل الأموال، والجهل والأمراض، ما يعني أن الخريطة سوف تكبر، وسوف تشع وتتلألأ وتزهو وتفتخر، خاصة مع تقديم خطة التنمية العاشرة في هذا العام التي تحمل بين طياتها الكثير من المشاريع الاستثمارية العصرية الحديثة والمكملة والممتدة للجهود الاستثمارية التي بذلتها وتبذلها الدولة لرفعة شأن المواطن منذ عهد الملك المؤسس طيب الله ثراه، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- لنا ذخرا وفخرا وعونا.  حينها سوف نردد سويا: أنت ما مثلك في ها الدنيا بلد.

عن فاروق الخطيب

شاهد أيضاً

الجامعات المستدامة بين ريادة الأعمال والمسؤولية الاجتماعية (2) – الرسالة.. والرؤية

ظهر على الساحة منذ سنوات، مفاهيم كثيرة لم نكن نعرفها, لم تكن تثير لدينا انطباعًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.