تمتع بحياتك..وسيأتي المال

من الكتب البسيطة التي منحتني سعادة وتفاؤلًا وحبًا للمغامرة، كتاب “الاقتحام”، للملياردير البريطاني “ريتشارد برانسون”؛ ذلك الكتاب الصغير جدًا في حجمه- إذ لا يتعدى خمسين ورقة من القطع الصغير- والكبير في معناه؛ بتناوله تجربة حياتية غنية، يجدر بنا الاستفادة منها.

أكثر ما شدني في سيرة “برانسون”، عدم اكتراثه بأي موقف أو مشكلة أو تحدٍ يواجهه، مهما كان، بينما تجد غيره من الأثرياء يصابون بنكسات نفسية، أو جلطات دماغية عند تعرضهم لأية هزة، فبرانسون لا يعتبر المال غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبث السعادة في النفس، فعادةً ماكان يردد: “تمتع الآن، وسيأتي المال”.

ريتشارد برانسون رجل أعمال بريطاني، أسس مجموعة فيرجين Virgin Group التي تضم أكثر من 300 شركة، ويحتل المرتبة 245 بقائمة فوربس لأثرياء العالم. لم يكن طالبا متفوقًا بالمدرسة كما يعتقد البعض، بل كان يعاني من عسر القراءة، ويجد صعوبة في قراءة المناهج الدراسية، وكان يشعر بحرج شديد؛ لضعف قدرته على القراءة؛ حتى إنه كان يقضي ساعات لحفظ النصوص كلمة كلمة، قبل أن يقرأ أمام الآخرين.

الثراء الفاحش

وكانت درجاته في اختبارات تحصيل الذكاء منخفضة، وكان مدرسوه يرونه غير ذي قيمة، ولكنه اكتشف قدرته على التواصل مع الآخرين، فبدأ طريقه إلى الثراء الفاحش، في السادسة عشرة من عمره، عندما أسس مجلة “الطالب” والتي ترك دراسته لإنجاحها؛ إذ تمكن بعد عام- من تأسيسها- من جلب المعلنين؛ ليبدأ بعدها جني الأرباح.

وبعد أربع سنوات؛ أي في عام 1970م، بدأ طريقه نحو توسيع أعماله، فأسس محلًا لبيع التسجيلات الموسيقية، باسم “فيرجين”، كان الأول من نوعه في العالم من حيث الاعتماد على توصيل الطلبيات عبر البريد؛ ماجعله يحقق نجاحًا هائلًا في ذلك الوقت، وزادت ثروته بشكل كبير؛ ليزداد توسعًا في أعماله، بطريقة مبتكرة.

المسؤولية الاجتماعية

وإلى جانب ذلك، لم ينس برانسون مسؤوليته الاجتماعية، فيحرص على التبرع بسخاء، كما يشغل الآن منصب العضو المؤتمن للعديد من الجمعيات الخيرية الدولية، علاوة على إقامة مؤسسة “فيرجين” للرعاية الصحية، وتعهده بالتبرع بثلاثة مليارات دولار على مدى السنوات العشر المقبلة لمحاربة ظاهرة الاحتباس الحراري؛ إذ يستثمر جميع أرباحه في تشجيع المبادرات الهادفة إلى زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة والنظيفة، ففي عام 2009م، انضم إلى مشروع “جنود السلام”، وهو فيلم يهدف إلى نشر السلام والأمن العالمي، ويقف ضد كل الحروب.

مما ذكره برانسون في كتابه الاقتحام: ” عندما يكون لديك أهداف وإطلالة إيجابية على الحياة؛ يعني لديك ما تسعى إليه؛ وهو ما يتطلب العمل الجاد والمتعة اللذين هما عصب الحياة. حين يتوقف شيء ما عن كونه متعة، فأعتقد أن الوقت قد حان للانتقال إلى شيء آخر، فالحياة قصيرة للغاية، ولا تستحق أن تستيقظ كئيبًا وبائسًا، فليست هذه طريقة جيدة للعيش. لن يتحقق أبدًا النجاح على المدى الطويل، إذا كان الربح هو الهدف الوحيد، كنت محظوظًا؛ إذ تدر فيرجن الآن أموالًا طائلة. يقول الناس:” يجب أن أسترخي؛ إذ بوسعي أن أتقاعد عن عملي فيها”، فأسألهم بدوري: “ما الذي سأفعله بعد ذلك؟”، فيجيبون:” ارسم بألون مائية، العب الجولف، استمتع”. إن كان على المتعة، فأنا بالفعل مستمتع بعملي، فعملي هو المتعة، والمتعة هي صميم عملي، بل كانت هي مفتاح أعمالي منذ البداية، ولا أجد سببًا لتغييرها.

خيارك الوحيد

ويواصل برانسون في كتابه:” لا يملك جميعنا المال؛ لإطلاق مشروع ما، وليس لدينا جميعًا حظ سعيد أو فرص متاحة، فأحيانا ماتشعر بالسعادة لمجرد أنَّ لديك عملًا أيًا كان، سواء في مصنع أو حانوت. ربما تكره ذلك العمل، ولكنك تحاول أن تحقق أفضل ما يمكن، ولكن هل هذه متعة؟ أقول: “هل يجب عليك حقًا أن تعيش حياة رتيبة مملة؟ هل ذلك العمل الذي تكرهه هو حقًا خيارك الوحيد؟ أيًا كان الأمر، فلديك خيارات أخرى، ابحث، انظر ما يمكنك فعله غير ذلك. هناك عشرات الأشياء التي يمكنك فعلها من منزلك لتجني أموالًا، ويمكن أن تكون أكثر متعة، وتؤدي إلى مهنة جديدة تستمتع بها حقًا، إذا كان يتعين عليك أن تستمر تحت إمرة رئيس في العمل لا تحبه؛ وهو ما يحدث تقريبًا مع كل شخص عند نقطة ما.

لا تندب حظك

ويستطرد برانسون:” لا تندب حظك، بل اعمل بجد؛ كي تستحق راتبك، أنعِم بمنْ تتواصل معهم خلال عملك، فإن سيطر عليك شعور بالتعاسة، فاسعَ إلى فصل حياتك الخاصة عن عملك، استمتع بوقتك الخاص، وحينها ستشعر بأنك أكثر سعادة، وسوف تستمتع أكثر بحياتك وعملك.

وللحديث بقية مع كتاب “الاقتحام”، ومؤلفه الناجح ريتشارد برانسون، لكن أحب أن أختم كلامي بدرس استفدته من سيرة “ريتشارد برانسون”؛ وهو: ” احرص على أن تعيش حياتك كاملة، وتيقن من قدرتك على تحقيق ما تحلم به في هذه الحياة”.

عن عبد الله محي أحمد عسيري

عبد الله محي أحمد عسيري مدرب وكاتب معرفي

شاهد أيضاً

الاستقلال المادي للمرأة

لا أرى عيبًا أو نقصًا في عمل المرأة، ومشاركتها الرجل في تنمية مجتمعها، وخدمة دينها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.