تطوير تشريعات تمويل المشاريع الصغيرة وآفاق خلق جيل جديد من رواد الأعمال في مصر

تعد المشاريع متناهية الصغر واحدة من أهم آليات مواجهة البطالة، والتعاطي مع مشكلات ضعف الطلب على العمالة، خاصة في المجتمعات التي تعانى فجوة واضحة بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل، وهو الوضع التي تجسده بشكل واضح الحالة المصرية الراهنة.

كما أن المشاريع متناهية الصغر – في ظل وجود أطر تشريعية وتنظيمية داعمة، وفي ظل توافر آليات التمويل الميسرة – يمكنها أن تفتح بابا واسعا لخلق جيل جديد من رواد الأعمال، خاصة من بين فئات الشباب الذين يملكون الأفكار الخلاقة وينقصهم الدعم المادي، فضلا عن هذا النمط من المشاريع يستجيب لاحتياجات النساء في المجتمعات التقليدية ويمكنهن من لعب دور فعال في النشاط الاقتصادي والمجتمعي بما لا يتعارض مع التزاماتهن الطبيعية.

إضافة إلى ذلك فإن هذه المشاريع تعتبر وسيلة “زكية” من وسائل التغلب على سلبيات مراحل التكيف الاقتصادي الهيكلي التي تعانيها الدول التي تقوم بإصلاحات اقتصادية ضرورية باتجاه تطبيق آليات السوق الحر، وزيادة الإنتاج وتعظيم الاستثمارات.

تعرف المشاريع المتناهية الصغرmicroenterprise) ) على أنها نوع من الأعمال التجارية الصغيرة عادة ما تكون مسجلة يعمل بها خمسة موظفين أو أقل، برأس مال تأسيسي لا يزيد على 35000 دولار أمريكي.

وتعود الجهود المنظمة لدعم المشاريع متناهية الصغر في مصر إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث تم إنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية، الذي أخذ على عاتقه دعم هذه المشاريع بشكل غير مباشر من خلال تقديم منح مالية للجمعيات الأهلية المحلية، التي تقوم بدورها بتقديم قروض للمستفيدين من خدماتها بهدف إقامة مشاريع متناهية الصغر، فضلا عن أن صندوق التنمية المحلية التابع لوزارة التنمية المحلية المصرية يقوم هو الآخر بتقديم قروض متناهية الصغر بشروط ميسرة تركز بشكل أساسي على النساء في المناطق الريفية، وفيما بعد دخلت البنوك التجارية المختلفة وعدد من الشركات الخاصة في سوق تمويل المشاريع متناهية الصغر.

إلا أن التحديات الأساسية التي كانت تحد من قدرة هذه الآليات على النجاح في خلق قاعدة من المشاريع متناهية الصغر ظلت قائمة ومتراكمة، ولعل أبرز هذه التحديات كانت التشريعات القائمة التي لم تكن توفر الحماية الكافية للمستفيدين من خدمات التمويل متناهي الصغر، فضلا عن ارتفاع نسبة الفائدة نتيجة الإقراض غير المباشر، إضافة إلى غياب الدعم الفني من الجهات الممولة ونقص آليات متابعة المشاريع.

وفقا للإحصائيات المتوافرة ففي مصر عدد يقارب من 500 كيان يقدم خدمات الإقراض الصغير ومتناهي الصغر معظمها عبارة عن منظمات أهلية مشهرة وفقا لأحكام القانون 84 لسنة 2002م، الذي تقوم بتطبيقه وزارة التضامن الاجتماعي، حيث يضع قيودا إجرائية على إدارة المحفظة المالية لهذه المنظمات، وقد كان لغياب التشريع الداعم دورا محوريا في تراجع حصة شركات القطاع الخاص في سوق التمويل متناهي الصغر، فضلا عن القواعد الائتمانية الجامدة نسبيا التي تحد من قدرة البنوك على ضخ استثمارات ضخمة في هذا المجال.

وبسبب غياب التشريعات الملائمة فقد احتلت مصر المركز الـ53 من بين 55 دولة فيما يتعلق بالبيئة التنظيمية لعمل مؤسسات التمويل متناهي الصغر وفقا لتقرير أصدرته وحدة الاستقصاء الاقتصادي في مجلة “الإيكونوميست” في نوفمبر 2014م.

ويعد القرار بقانون الذي أصدره الرئيس عبدالفتاح السيسي في نوفمبر 2014م خطوة جيدة على طريق دعم المشاريع متناهية الصغر، حيث يعتبر القانون التمويل متناهي الصغر هو كل تمويل لأغراض اقتصادية إنتاجية أو خدمة أو تجارية بما لا يجاوز مائة ألف جنيه، ويجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء وفقا للظروف الاقتصادية ومتطلبات السوق زيادة الحد الأقصى بما لا يجاوز 5% سنويا.

ويفتح القانون الباب للمؤسسات الأهلية وللشركات الخاصة بمزاولة هذا النشاط بعد الحصول على ترخيص من هيئة سوق المال، ويضع شروطا ميسرة نسبيا؛ لمنح هذا الترخيص للشركات برسوم لا تتجاوز قيمتها 1% من إجمالي رأس المال المدفوع للشركة، الذي يجب ألا يقل عن خمسة ملايين جنيه مصري، كما يضع شروطا متعلقة بالكفاءة الفنية والإدارية للشركات تضمن حسن إدارتها للتمويل ومتابعتها للمشاريع، فضلا عما يقدمه القانون من إعفاءات وتسهيلات ضريبية للشركات توفر لها بيئة ضريبية داعمة لتقديم التمويل وتقلل من المخاطر الائتمانية المعتادة.

كما انشأ القانون آلية تنظيمية ورقابية فعالة ومرنة في الوقت نفسه للرقابة على نشاط التمويل متناهي الصغر من الجمعيات والمؤسسات الأهلية، من خلال وحدة مستقلة ذات طابع خاص لا يتقيد هيكلها التنظيمي ولوائح عملها بالنظم والقواعد المعمول بها في الحكومة والقطاع العام وقطاع الأعمال العام.

إن تطوير التشريعات المنظمة للتمويل متناهي الصغر هو خطوة أولى مهمة وضرورية يجب أن تتبعها خطوات إجرائية أخرى ستؤدي في نهاية المطاف إلى إفراز مشاريع نامية رائدة، وخلق جيل جديد من رواد ورائدات الأعمال المصريين.

عن د. ولاء جاد الكريم

شاهد أيضاً

الجامعات السعودية.. ورأس المال الجريء

عندما سافر الشاب الهندي؛ صابر باتيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1988 م, كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *