الجامعات السعودية.. ورأس المال الجريء

عندما سافر الشاب الهندي؛ صابر باتيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1988 م, كان كله حماس وشغف للحاق بركب أثرياء أميركا, فكانت وجهته وادي السيلكون؛ حيث عمل كمهندس كمبيوتر في شركة عالمية, وكان شغوفًا بالبدء بمشروعه الريادي.

ابتكر الشاب خدمة تسهل التواصل الإلكتروني بين أفراد المؤسسة الواحدة؛ عبر دائرة مغلقة، ثم تطورت الفكرة لاحقًا؛ لتشمل برنامجًا يوفر لكل فرد بريده الخاص، لكن كان ينقصه رأس المال الجريء أو الاستثمار  Venture Capital.

باءت كل محاولات الشاب للحصول على دعم مادي بالفشل؛ حتى قيل إن محاولاته تجاوزت السبع عشرة مرة، إلى أن عثر على من يثق بمشروعه من خلال ما يسمى بـ Seed Fund “”؛ ليطلق صابر- في عام 1996م- مشروعه العملاق الذي سهل على العالم أجمع سبل التواصل السريع بابتكار البريد الإلكتروني الساخن  “Hotmail”.

ابتكار ثمنه 400 مليون دولار

وعندما شعر بيل جيتس؛ رئيس شركة مايكروسوفت- حينها- بالخطر المحدق من انتشار هذا الابتكار الجديد, قرر شراءه، وضمه إلى مشروعه الضخم ويندوز؛ إذ عرض على صابر مبلغ 50 مليون دولار لشراء الهوتميل, ولكن دهاء الشاب المسلم الهندي دفعه لرفض العرض وبقوة, وطالب بمبلغ 500 مليون دولار، ثم بعد مفاوضات شديدة، وافق صابر على بيع ابتكاره بمبلغ 400 مليون دولار، مع احتفاظه بوظيفة خبير في مايكروسوفت؛ ليتجاوز اليوم – بعد النجاح الباهر- عدد مستخدمي هوتميل 95 مليون مستخدم.

الحكمة من هذه القصة، هو إبراز الدور الهام الذي تلعبه المؤسسات التمويلية للمشاريع الريادية، فلو فشل صابر باتيا في جذب الممول الجريء لمشروعه الريادي، لكان ابتكار البريد الإلكتروني بغير الصورة التي ظهر عليها الآن.

عوائق جهات التمويل

ونستخلص من ذلك، أن هناك عدم ثقة واضحة من المؤسسات الممولة للمشاريع الناشئة والصغيرة, والتي تفضل عادةً أن يكون المشروع قد تجاوز عامًا من عمره التشغيلي؛ لكي يحصل على الدعم المالي المطلوب، مع اشتراط وجود كفيل؛ لضمان استرداد  المبلغ الممول, علاوة على وجود دراسة جدوى اقتصادية مفصلة للمشروع مع القوائم المالية التي تثبت نجاحه، وغيرها من شروط معرقلة تحول بين رواد الأعمال والدعم المطلوب.

وهناك أيضًا سوء فهم من قبل المستثمرين تجاه الاستثمار في المشاريع الريادية باعتبارها من المشاريع عالية المخاطر والتي قد تكون نسبة فشلها عالية جدًا, بالرغم من أن عائد الاستثمار في المشاريع عالية الخطر تكون عالية جدًا.

وبالرغم من انخفاض الاستثمار في العقار مؤخرًا، إلا أن بعض المستثمرين مازالوا يفضلون الاستثمار في العقار عن الاستثمار في مشروع ريادي تقني.

نظام إيكولوجي

لذلك، أعتقد أنه من الضروري- لحل مشكلة تمويل المشاريع الناشئة- إيجاد نظام إيكولوجي Ecosystem شامل, يجمع كل ما يحتاجه رائد الأعمال للبدء في مشروعه التجاري وتوفير المعلومة التي يحتاج إليها.

وهناك أيضًا ضرورة لإيجاد تعاون بين الشركات الناشئة والصغيرة لحل كثير من العقبات التي تواجهها. وعلى الرغم من وجود هذه الثغرات والعقبات التي تواجه رواد الأعمال، إلا أن هناك طموحًا وأملًا  كبيرًا بتغيير النظرة العامة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة, لاسيما أن هناك حراكًا كبيرًا في الممكلة؛ لتعزيز ونشر ثقافة الإبداع وريادة الأعمال يتوافق مع رؤية 2030 للاستفادة من طاقات الشباب، خاصة وأنَّ نصف السعوديين تقل أعمارهم عن 25 عامًا، وهي ميزة يجب أن نحسن استثمارها من خلال التوجيه الأمثل لطاقات الشباب نحو ريادة الأعمال.

تكامل الجامعات السعودية

وهاهي الجامعات السعودية باتت تتكامل فيما بينها لتخريج جيل من رواد الأعمال، قادر على المضي قدمًا في مجال الأعمال، وأصبح أغلب طلاب الجامعة يتنافسون على الحصول على مقعد في مسرعة أعمال الجامعات؛ لكي يتخرج وبيده مشروعه التجاري، وليس ليبحث عن وظيفة.

هناك آمال كبيرة جدًا على جامعاتنا؛ لتتولى زمام القيادة، وتكون سباقة إلى خلق فرص حقيقية لشباب وشابات الوطن؛ بمساعدة ودعم الطلبة معنويًا وماديًا بتوفير رأس المال الجريء، واعتباره جزءًا من استثمارات الجامعة المستقبلية؛ حيث تمتلك الجامعات المقومات الأساسية لإطلاق برامج الاحتضان عبر منظومتها, إضافة إلى التوجهات والممارسات الحديثة التي تتمحور حول بيئة تعليمية محفزة.

وقد قامت أكثر من 300 جامعة عالمية بتحصيل نحو 20 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية كمبيعات للشركات الناشئة والمحتضنة داخلها، وفرت من خلالها آلاف الوظائف.

إنَّ جامعاتنا يقع على عاتقها تنظيم سوق ريادة الأعمال، شريطة مراجعة الأنظمة واللوائح، وإزالة العوائق، وتسهيل الحصول على التمويل، ومساعدة رواد الأعمال على تسويق منتجاتهم, والأهم من ذلك زرع الثقة داخل المستثمرين والمانحين بأن أبناء الوطن قادرون بقوة على تدشين مشاريع ناجحة.

 

 

عن د. هاشم بن عبدالله النمر

المشرف العام على مركز الإبداع وريادة الأعمال بجامعة جدة

شاهد أيضاً

تسهيلات لرواد الأعمال في المملكة

احتلت المملكة المركز الأول بين 66 دولة من حيث النزعة نحو ريادة الأعمال، كما حققت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *