التسويق الداخلي قبل الخارجي

يرتبط نجاح التسويق الخارجي للشركات مع عملائها ارتباطًا وثيقًا بوضعها الداخلي ونظم إدارتها، وما توفره لموظفيها من وسائل الراحة والدعم والأمان الوظيفي الذي يدفعهم لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للشركة بحب وإخلاص؛ وهو ما يتطلب من الشركات العاملة في قطاع الأعمال، التركيز على الاستثمار في “رضا العاملين” ؛ إذ هو الذي يؤدي بشكل تدريجي وتلقائي إلى “رضا العملاء” وبلوغ الأهداف المرجوة.

يرى بعض خبراء التسويق أن تحقيق الأهداف التسويقية يبدأ  من الحفاظ على العمال المهرة، وبناء علاقات طيبة بين أفراد الإدارة العليا وبقية العاملين في الأقسام المختلفة؛ عبر إشراك الجميع في صياغة أهداف الشركة وإشعارهم بكونهم كيانًا واحدًا لا يتجزأ، وأن نجاح إحدى الإدارات يصب في صالح الجميع.

كذلك، ينبغي الاستثمار في قدرات العاملين، ورفع درجة وعيهم كل في موقعه؛ لتعظيم إدراكهم لمفاهيم الجودة التي تمكنهم من التنافس فى ظل بيئة اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية متطورة.

هناك خطوات هامة يجب أن تنفذها مؤسسات الأعمال على الصعيد الداخلي؛ حتى تتمكن من البناء السليم وتحقق أهدافها وتضمن نجاحها واستدامتها:

  1. إدارة الموارد البشرية:

تلعب إدارة الموارد البشرية دورًا جوهريًا في إعداد العاملين وتدريبهم وتحفيرزهم نحو إنجاز أهداف الشركة الخارجية ومنها الأهداف التسويقية مع العملاء.

وفي حال قيامها بدورها في اختيار وتعيين موظفين أكفاء، ثم التعامل معهم كعملاء للشركة، وبذل الوقت والجهد لوضع الخطط اللازمة لتنمية مهاراتهم وتلبية احتياجاتهم وتحفيزهم والاستماع لمشكلاتهم؛ فإن هذا يعد بمثابة النواة الأولى لنجاح الشركة وتحقيق أهدافها كاملة فيما بعد، فما هي إلا سلسلة تترابط حلقاتها المتمثلة في بناء علاقة طيبة بين الشركة والعاملين بها، ثم علاقة طيبة مع المجتمع ككل.

  1. ترسيخ أخلاقيات العمل :

ينبغي تدريب الموظفين على أخلاقيات العمل، وعلى رأسها الأمانة؛ ففي حال عدم تمتع الموظفين –كل في موقعه- بالأمانة في العمل؛ فلا داعي للحديث عن استمرار وديمومة نشاط الشركة التي تصبح مهددة بلا شك في حال الافتقار لتلك الأخلاقيات.

وعلى الرغم من اعتقاد البعض الخاطئ بعدم جدوى إهدار الوقت في ترسيخ أخلاقيات العمل لدى الموظفين، تركز الجامعات الأجنبية على تدريس مواد علمية كاملة تتعلق بأخلاقيات العمل والإدارة في العديد من التخصصات كالهندسة، والطب، وإدارة الأعمال، والمحاسبة والإحصاء، وغيرها.

ويؤدي الاهتمام بهذا الجانب داخل المؤسسات إلى نتائج إيجابية جمَّة، منها: الحرص على إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم سيطرة المشاعر الشخصية على اتخاذ القرارات المصيرية في العمل، وعدم التنازل عن حقوق الشركة لصالح مجاملة الآخرين.. الخ.

  1. توفير بيئة عمل مشجعة :

يجب تهيئة كافة الظروف اللازمة لخلق بيئة عمل مشجعة للعاملين، والتي بدورها تضمن جذب العمالة الماهرة والاحتفاظ بها، وخفض معدل دورانها، ومن ثم الارتقاء بجودة المنتج أو الخدمة التي تقدمها المؤسسة لعملائها الخارجيين.

ويعد خلق بيئة محفزة، إحدى وسائل التسويق الداخلي للشركات التي تدعم عملية التسويق الخارجي بشكل تلقائي. ولا يقتصر ذلك على زيادة رواتب الموظفين وعوائدهم المالية فحسب، بل يرتبط بكل ما من شأنه تحسين مستوى رضاهم؛ كالاهتمام بمشكلاتهم المعنوية والنفسية والعمل على إيجاد حلول عملية وسريعة لها.

  1. الأمان الوظيفي :

يقصد بالأمان الوظيفي تزويد العمالة بالضمان الوظيفي المعقول الذى يحميهم ويقصيهم عن خطر الفصل، حتى فى أحلك الظروف الاقتصادية التي قد تمر بها الشركة، فإن هذا يجعلهم يعملون بأريحية تامة ويمنحهم الشعور الخالص بكونهم أصحاب الشركة؛ ما ينعكس إيجابيًا على تحسين مستوى أدائهم، ورفع جودة المنتج أو الخدمة، وزيادة التنافسية والاحتفاظ بالعملاء الحاليين مع جذب عملاء جدد، ومن ثم زيادة الدخل.

وأثبتت نظرية “الإدارة اليابانية z” التي استوحاها العالم الياباني “وليم أوشي” من ثقافة مجتمعه، كفاءتها كأفضل الطرق العلمية الحديثة للإدارة؛ إذ تعتمد على التركيز على الأمان الوظيفي للعامل في المقام الأول، بجانب وجود مدير واحد يتولى مهمة إصدار الأوامر، مع إشراك كافة الموظفين في حل المشكلات وتقديم المقترحات بالمؤسسة؛ فهذه العوامل مجتمعة كفيلة بمنح الموظفين حافز معنوي تلقائي لإتقان العمل والتفاني من أجله.

وحققت الشركات اليابانية المتبعة لهذا النظام في الإدارة الداخلية، نتائج أكثر نجاحًا وتميزًا مقارنة بالشركات الأخرى المتبعة لنظم إدارية مختلفة في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ختامًا، ينبغي على أصحاب الشركات، الاهتمام بالتسويق الداخلي لمؤسساتهم قبل النظر إلى الأداء الخارجي؛ فمتى تحقق الأمان الوظيفي للعاملين الذين يتمتعون بقدر عالٍ من أخلاقيات العمل في ظل بيئة عمل مشجعة وعادلة، كلما زاد حب العاملين وولاؤهم وانتماؤهم وإخلاصهم للشركة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى رفع معايير الجودة، وبناء سمعة طيبة للمؤسسات، وزيادة المبيعات، وإدرار الربح الوفير.

عن د.خالد سيد

مدرب ومحاضر في الإدارة والتسويق، دكتوراة في إدارة الأعمال والتسويق، ماجستير في إدارة الأعمال، دبلومة الدراسات العليا في المراجعة، دبلومة مهارات الموارد البشرية khaled9055@yahoo.com

شاهد أيضاً

تسويق “قدر ظروفك”

تختلف احتياجات السوق، تبعًا لاختلاف احتياجات الزبائن؛ إذ يتطلب الأمر- في ظل الأزمات الاقتصادية- حلولًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *