الاقتصاد المعرفي

لعل الجميع يعرف معنى الاقتصاد بشكل عام، لكن القليلين هم من يعرفون الاقتصاد المعرفي.. وهو مصطلح ربما بدأ الحديث عنه منذ عدة سنوات.. ويمكن القول إن هذا المصطلح الحديث نوعًا ما هو فن استخدام التقنية وتوظيفها لتحسين نوعية الحياة بكافة مجالاتها وأنشطتها عبر الإفادة من المعلومات والإنترنت والتطبيقات المختلفة للمعلوماتية.
وبمعنى آخر هو نمط جديد يختلف في كثير من سماته عن الاقتصاد التقليدي؛ إذ يعني تحول المعلومات إلى سلع في المجتمع، بل أصبح تنظيم المعلومات وخدمات المعلومات من أهم العناصر الأساسية في الاقتصاد المعرفي.
ولا ينكر ذو عقل أن المعرفة قد أصبحت هي محرك الإنتاج والنمو الاقتصادي في العالم؛ إذ تمت الاستفادة من التقنية في إنتاج وتجهيز ومعالجة وتوزيع وتسويق السلع والخدمات وتحويلها إلى اقتصاد معرفي، إما بتحويل المعلومات إلى سلع وخدمات، أو بتطوير السلع التقليدية عبر استخدام التقنية والاستفادة من الوسائل التقنية في تجاوز الحدود الجغرافية وعمليات التسويق والإنتاج للبضائع، وتجسيد مفهوم ذهاب السلعة أو الخدمة إلى العميل وليس العكس.
وقد نتجت عن التحول من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد المعرفة ثورة كبيرة في هذا المجال، انعكست إيجابيًا على الاقتصادات المحلية والعالمية في معظم دول العالم- خاصة المتقدمة- التي استفادت من هذا التطور في زيادة ناتجها المحلي، وخلق فرص عمل جديدة لمواطنيها، وابتكار أساليب عمل خلاقة في إدارة الأعمال والموارد البشرية والمالية والإنتاجية.
ولا شك أن ثورة الاقتصاد المعرفي أدت إلى تغيير المفاهيم النظرية والعملية في عالم الاقتصاد التقليدي؛ إذ أصبح الاقتصاد الرقمي والعمل به هو السائد في أعمال القطاع الخاص ومؤسسات الأعمال وإدارتها وعلاقاتها مع قطاعات الأعمال الأخرى محليًا وعالميًا، وهو ما انعكس بالإيجاب على زيادة رؤوس أموالها وتضاعف أرباحها، بفضل استخدام التطبيقات التقنية والمعلوماتية في هذا المجال.
ويعد الاقتصاد المعرفي توجهًا عالميًا حديثًا تسعى إلى تحقيقه الدول والمجتمعات من خلال الاستفادة من معطيات العصر والتحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات، ومن إنتاج البضائع إلى إنتاج المعلومات، وإيجاد اقتصاد رقمي يكون عموده الفقري شبكات الاتصالات والمعلومات، والاعتماد على قوة المعلومات والمعرفة ورأس المال البشري أكثر من الاعتماد على المواد الخام والثروات الطبيعية.
ولعل أحدث تقرير لوزارة الاقتصاد والتخطيط بالمملكة قد أكد أهمية المشاريع التي تم البدء في تنفيذها من قبل القطاعين العام والخاص تمهيدًا للتوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة، وهي مشاريع اعتمدتهاحكومة خادم الحرمين الشريفين، وتهتم بإقامة تجمعات صناعية جديدة في قطاعات من شأنها تنويع الاقتصاد وتعميق البعد التقني والمعرفي مع الحرص على توسيع رقعة الانتشار الجغرافي لها على مستوى المملكة لتحقيق التنمية المتوازنة، وهي مشاريع تنبئ بتحول متصاعد في مسيرة التنمية الاقتصادية للمملكة.
وتهتم المملكة بالتوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة من خلال أهداف خطط التنمية وسياساتها وآليات تنفيذها، وكذلك مستوى برامجها ومشروعاتها لتهيئة البيئة المواتية لمواصلة التقدم على هذا المسار من خلال مجموعة من الخطوات والإجراءات أبرزها العمل على زيادة قدرات المملكة في توليد المعرفة بالبحث والتطوير، ونقل التقنية وتوطينها ونشرها، واستثمارها من خلال الابتكار،وتعزيز منظومة العلوم والتقنية وترسيخ ترابطها مع القطاعات الإنتاجية والخدمية،وتحفيز القطاع الخاص للتوجه نحو فعاليات الإنتاج والخدمات القائمة على المعرفة وذات القيمة المضافة العالية، وإعدادخطط متوسطة المدى ومتابعة تنفيذها لتحسين المحتوى المعرفي للسلع والخدمات المنتجة بالمملكة، وتحسين الإنتاجية والمقدرة التنافسية بالتعاون والتنسيق بين القطاعين الحكومي والخاص، وتقليص الفجوة المعرفية.
وتتضح سمات الاقتصاد المعرفي في أنه أصبح للمعلومة قيمة مهمة جدًا؛ إذ يمكن تحويلها إلى سلعة يمكن الاتجار بها، ولم يعد هناك مواقع مالية أو تقنية تمنع النفاذ إلى المعلومات؛ إذ أصبحت متاحة للجميع، كما لم يعد تأسيس شركات عالمية يتطلب استثمارات مالية ضخمة، ولم يعد كبر حجم الشركة يتطلب زيادة في التكاليف ومن ثم يحد الأرباح.
إن الميزة التنافسية أصبحت تعتمد بشكل هائل على عقل الإنسان وليست على المواد الخام الطبيعية؛ لذا ليس غريبًا أن تكون كبريات شركات في العالم هي التي تقوم على الاقتصاد المعرفي وفي مقدمتها مايكروسوفت وإنتل وأمازون وفيس بوك وجوجل وغيرها.
علينا أن نسارع إلى اللحاق بهذا الركب الذي برع فيه غيرنا.. وأن نكون جادين في استغلال هذه الثورة الاقتصادية الهائلة قبل أن يفوتنا القطار.

عن الجوهرة بنت تركي العطيشان

شاهد أيضاً

المملكة..وخدمة ضيوف الرحمن

جهود حثيثة تبذلها المملكة؛ لتطوير ودعم الأنشطة والخدمات الخاصة بخدمة ضيوف الرحمن سنويًا، أملًا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *