إدارة الأخطاء البشرية في المؤسسات

في  الثالث عشر من يناير 1977، اتجه الكابتن طيار هوج مارش إلى مطار طوكيو، بصحبة مساعديه: كونيكي أتيكاني ونوبومسا يوكوكا في  سيارة أجرة لقيادة طيارة شحن متجهة إلى ألاسكا؛ حيث دار حوار بين الطيار وسائق الأجرة، وبعد أن وصلت السيارة، شعر السائق أن الكابتن هوج مارش ثمل، فاندهش لكونه سيقود طائرة بعد بضع دقائق، فاتصل بشركته لإبلاغهم بالأمر، فاتصلت الشركة بإدارة المطار لإعلامهم.

وقد بدا أيضًا أن مساعدي الطيار شعرا بما شعر به سائق الأجرة، ولكنهما لم يجرؤا على فعل شيء؛ إذ كانت شركة الطيران اليابانية حينئذٍ تعاني من نقص في  الطيارين اليابانيين، فكان ضروريًا الاستعانة بطيارين أجانب لقيادة وتدريب الطيارين المساعدين، فكانت سلطة الطيارين المحترفين في  تقييم أداء المساعدين تجعل من الصعب انتقاد أو توجيه الكابتن لخطأ أو لأمر ما.

بدأت الطائرة في  السير على  المدرج وزيادة السرعة؛ حتى وصلت إلى سرعة الإقلاع، ثم أقلعت كالمعتاد، ولكن لحظات حتى صرخ مساعد الطيار:

“Too much steep!Stall….”

كان يحذر الطيار من زاوية انحدار عالية قد تؤدي إلى تهاوي الطائرة وعدم قدرتها على الارتفاع، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ تحطمت الطائرة، وقتل طاقمها بالكامل. وبعد الكشف عن الصندوقين الأسودين، وتحليل عينة من دماء قائد الطائرة، وجد المحققون أن نسبة الكحول في  دمه كانت أعلى من المسموح به، فاندهشوا لعدم قدرة مساعديه على التصرف تجاه هذا الأمر الذي تسبب في ارتكاب القائد المحنك هذا الخطأ الساذج.

حادثة أخرى لطائرة شركة united airline 173، والتي كانت تقترب من مطار بورتلاند بالولايات المتحدة، فبينما كانت الطائرة تستعد للهبوط، تم اكتشاف عطل في  ماكينات إنزال العجلات، فاضطرت الطائرة للدوران حول المطار حتى يتم حل المشكلة. وأثناء ذلك، كان مساعد الطيار والمهندس الأول يستفسران من الكابتن عن مستوى الوقود بين الحين والآخر، ولكن عندما لم يتلقيا ردًا منه لم يعيدا عليه السؤال، ظنًا منهما أنه يسيطر على الأمر بحرفية، ولكنه لم يكن يفعل، فقد نفد الوقود وسقطت الطائرة وقتل في  الحادث عشرة ركاب من بين 181 راكبًا فيما أصيب الباقون.

بعد التحقيقات، وصفت هيئة سلامة الطيران الكابتن بأنه “شخص متعجرف” وأن شخصيته السلطوية أدت لضعف التواصل الجيد بين طاقم الطائرة فوقع الحادث المفاجئ.

وصفت الهيئة الطبية الأمريكية للدواء أن مابين 44 ألف إلى 98 ألفًا من الأمريكيين يفقدون حياتهم سنويًا؛ نتيجة للأخطاء البشرية للأطباء وطاقم التمريض. ولا يخفى  على أحد أن حادث مفاعل تشيرنوبل ماهو إلا تراكم لأخطاء بشرية أُخفيت طويلًا بالرغم من سهولة تداركها في  بداياتها.

الخطأ البشري من أعقد الأمور التي لا ينفك الباحثون والأكاديميون عن  توصيفه ومعرفة أسبابه، فالأنظمة الحديثة والمعقدة لم تصمم أساسًا إلا لتفادي الخطأ البشري قدر الإمكان؛ لذا يزداد تصميم الطائرات تعقيدًا يومًا بعد يوم، وخاصة بعد كل حادث لتفادي عامل الخطأ البشري.

في مجال الأعمال والتجارة، تعمل المؤسسات والشركات على وضع منظومات لتفادي الخطأ البشري في  أقسام العمل المختلفة، ومع هذا الإنفاق الضخم والمجهود الكبير لتفادي الخطأ البشري، فقد تم النظر إلى هذا الخطأ “الواجب الحدوث” على أنه أمر معيب يستوجب العقوبة؛ لذا أضحى كثيرون يعمدون إلى إخفاء أخطائهم تجنبًا للعقاب؛ ما يؤدي إلى تراكم الأخطاء وظهورها في  شكل كوارث فيما بعد.

كان مجال الطيران أول من أدرك أنه لامفلا من وقوع الخطأ البشري، وأنه يجب عمل منظومة للتعامل معه، فقد لوحظ أن 75% تقريبًا من حوداث الطيران كانت بسبب العامل البشري في  غرفة الطيار، على الرغم من كفاءة وخبرة الطيارين والمساعدين الذين أوقعوا طائراتهم في  هذه الحوادث؛ وذلك لعدم وجود خبرة كافية للتعامل مع هذا الخطأ بحرفية. وفي  أواخر السبعينيات صُمِّم برنامج تدريبي صارم للطيارين باسم CRM- Cabin Crew Management، يهدف إلى تدريب طاقم الطائرة على التعامل مع الأخطاء Error Management، وكان من ثمراته انخفاض معدلات حوادث الطيران الناجمة عن الخطأ البشري من 75% إلى 25% في  العشرين عامًا اللاحقة.

وقد ألهم هذا النجاح الكبير في  تطبيق منظومة إدارة الأخطاء، كثيرًا من الصناعات التي تتعامل مع منتجات خطيرة نسبيًا، -كالمفاعلات النووية ومصانع المواد الكيميائية الخطرة- في  تبني أسلوب الـ CRM المستخدم في  مجال الطيران. وحديثًا، تصاعد الاهتمام الأكاديمي بتطبيق منظومة إدارة الأخطاء للشركات والمؤسسات الربحية، فمازالت الشركات والمؤسسات عامة- كما في  الصورة – تصب تركيزها على مرحلة منع الأخطاء Error Prevention، بينما تحتاج تلك المؤسسات لمنظومة حديثة لإدارة تلك الأخطاء بعد حدوثها والعمل على تقليل تبعاتها السلبية.

 وقد توصلت بعض الأبحاث مثل (Frese& Zapf, 1991) إلى أن تعلم المهارات عن طريق استراتيجية التعامل مع الأخطاء Error Management يؤدي إلى نتيجة أفضل من التعلم عن طريق استراتيجية تجنب الأخطاء Error Prevention، فالطريقة الأولى تولد راحة نفسية لدى المتدرب، فيتعامل مع خطأه بأسلوب مناسب ويتخطاه، ثم يتعلم كيفية تجنبه لاحقًا، بينما الطريقة الأخرى تولد نوعًا من التوتر الذهني نتيجة الحذر من الوقوع في  الخطأ أثناء تعلم المهارة، فحين يقع المتدرب في  الخطأ يشعر بالإحباط والرغبة في  تجاوز هذا الخطأ سريعًا دون الوقوف عليه والتعلم منه.

لا يكاد يختلف أيٌ من العاملين في  المؤسسات الربحية عن أن للخطأ البشري نصيب الأسد في  الأزمات الكبيرة للشركات، فما من شركة إلا وتعاني من الخطأ البشري بشكل أو بآخر، فإدارة الحسابات تعاني من أخطاء التقارير الضريبية، وإدارة الإنتاج تعاني من التصميمات والمنتجات المعيبة، والموارد البشرية تعاني من تبعات التعيينات الخاطئة، والمشتريات تعاني من الأخطاء في  تحديد وتقييم كم ونوعية وسعر الخامات المشتراة،  والإدارة العليا تعاني من أخطاء القرارات المتسرعة، وإدارة التسويق تعاني من الأساليب الخاطئة لعرض المنتج، والمبيعات تعاني من أخطاء البائعين في  اختيار العملاء وعدم الحذر في  إعطاء التسهيلات الائتمانية…الخ.

كل تلك الأخطاء إذا لم تكتشف في  مراحل مبكرة وتم غض الطرف عنها، تؤدي إلى نتائج تتعاظم فيها خسائر الشركات، ويعمل العاملون على إخفاء أخطائهم نتيجة لعدم وجود بيئة داخلية للمؤسسة تقبل الخطأ وتتعامل معه. تذكر الباحثة Amy Edmondson، من جامعة هارفارد أن الشركات التي تعمل على أن يكون بها Psychological Safety أو درجة عالية من الأمان النفسي هي تلك التي يسعى فيها الموظفون إلى المصارحة المستمرة بأخطائهم، ثم العمل على تفاديها مستقبلًا ، وهي الشركات التي تنمو بشكل متزايد.

وأخيرًا، تقوم منظومة إدارة الأخطاء على عدة خطوات بدءًا من تطبيق أسلوب للكشف عن الخطأ مبكرًا، وحتى التعامل والتحليل والأرشفة والتعليم. وتتجلى النتيجة الفعلية لمنظومة إدارة الأخطاء في عدم ظهور الخطأ نفسه للشخص نفسه، علاوة على عدم ظهوره في  أيٍ من إدارات المؤسسة مرة أخرى؛ وذلك لزيادة وعي العاملين بالخطأ السابق، وتدريبهم على مواجهته، وهو ما يعد النجاح الملومس لمنظومة إدارة الأخطاء Error Management.

 

هشام عزت

مهندس وباحث في ريادة الأعمال

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

نحو حياة أكثر احترافية

جميعنا يسعى إلى أن تكون حياته في أحسن حال، فقد كثر هؤلاء الذين يتحدثون كثيرًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *