أهمية العلم والمعرفة لريادة الأعمال

تعرف “المعرفة” ـ من منظور ريادة الأعمال ـ بأنها هي العلم والإحاطة والتمكين من خلال الدراسة والتخصص، وترجمتها بالإنجليزية هو “Knowingness”، وتشتمل على معنى الإحاطة والتعرف والتمكين السابق، وعلى المعنى الأشمل للعلم من حيث تحقيق المقصود من الدراسة للإدراك الكلي والفهم والاستعمال الصحيح والتطبيق السليم لنظريات وأسس ومبادئ العلوم ومعرفة الثوابت والمتغيرات في مجال التخصص، كما هو معروف لمعنى الكلمة بالإنجليزية Science””.

والمعنى الآخر وهو ما نقصده هنا “”Knowledge ويقصد به إلى جانب العلم والإحاطة: “الملكية”، أي التملك للمعلومات والحقائق والأفكار والنظريات والمبادئ والرؤية في مجال التخصص؛ أو الخبرة في مجال العمل أو المشروع، فالمعرفة لا تشمل فقط “العلم” والإحاطة بل تشمل أيضا “التملك” لأسس تلك المعارف بالمعنى المجازي؛ بهدف تعظيم “الميزة التنافسية” للمؤسسة، ومن هنا ظهرت “إدارة المعرفة KnowledgeManagement” في جميع المجالات لتجميع وتنظيم وحفظ وتبادل وتنمية المعرفة الفكرية؛ من أجل الاستثمار من خلال اقتصاد المعرفة، وارتبطت توليد المعرفة بالدراسات والبحوث وتكوين النماذج التجريبية وإجراء التجارب العملية؛ لتحقيق الهدف الرئيس وهو “التعلمLearning ” من السوق من خلال الرصد والاستبيان ودراسات وبحوث السوق والإفادة الرجعية “Feedback”؛ ما أدى إلى ظهور وانتشار المؤسسات التعليمية LearningOrganizations، كما ظهرت حديثا ريادة الأعمال التجريبية وهو ما يعرف Lean Startup & Lean Enterprises””.

ولعل تعريف “مركز هارفارد” لريادة الأعمال “أنها السعي وراء الفرص دون امتلاك أو التحكم في موارد الإنتاج”، وتعريفها من قبل المختصين “ريتشارد دورف وتوماس بيرس” في كتابهما الشهير “TechnologyVentures”؛ الذي يدرس في جامع ستانفورد بأمريكا، على أنها هي المبادرة بالمخاطرة من خلال “منهجية صنع القرار في تحقيق الفرصة من خلال المبادرة” – واستكمال التعريف من مركز أوكسفورد العلمي بإضافة “فيما وراء الموارد والإمكانات الحالية التي تتحكم فيها”، وعندما يتوقف قرار المبادرة بالمخاطرة على مستوى المعرفة المتاح لدى المبادر أو رائد العمل في مجال النشاط، تظهر جليا أهمية المعرفة لريادة الأعمال ومستويات طبيعتها ونوعيتها المختلفة، وتأتي أهمية التطرق لمستويات المعرفة “Knowledge Platforms” ليس فقط في المجالات التعليمية والأكاديمية، بل أيضا في المجالات التطبيقية للمشاريع الاقتصادية خاصة مشاريع ومبادرات ريادة الأعمال، لتحقيق النجاح ولبناء أسس اقتصاد المعرفة وزيادة القدرة على المنافسة.

وتصنف طبيعة ونوعية المعرفة إلى أربعة مستويات رئيسة واضحة المعالم والمفردات لمشاريع ريادة الأعمال للوصول إلى المعرفة الكلية للتصنيف والحكم على الأشياء وبناء القدرة على التقييم والتميز للأداء وعلى جودته لاتخاذ القرار، وهي:

أولا: وهو المستوى العام لمعرفة المحتوى والمضمون والتفاصيل: Content, Context & Details

حيث إن المحتوى هو عناصر النشاط الرئيسة والفرعية مثل محتوى الكتاب ويشمل معرفة الموضوعات الرئيسة والفرعية المذكورة بالفهرس، والمضمون هو التعريف والشرح للمصطلحات والمفاهيم للموضوعات الرئيسة والفرعية والبرامج والأنشطة والنماذج المختلفة والقدرة على الشرح والتلخيص والتفصيل من حيث حيثياته وأسبابه وبيان أهدافه وأغراضه وآلياته ووسائله للفهم والاستعمال للوصول إلى قلب كل محتوى من خلال المضمون، أما التفاصيل فهي دائما مرتبطة بالتطبيق ومعرفة الفروقات فيما بينها، ويختص الخبراء دائما بالتفاصيل لإمكانية تحقيق نجاح التطبيق، حيث إن في أغلب الحالات يكون الدارس الجيد دائما ملما بكل من المحتوى والمضمون، والدارس الحريص هو الذي ينظر إلى التفاصيل ويراجعها، وفي الحياة العملية يتميز الخبراء بمعرفة التفاصيل في مجال التخصص، إضافة إلى المحتوى والمضمون.

وأهمية هذا المستوى تكمن في ضرورة النظر إلى التفاصيل ومراجعة المتخصصين والمختصين في تلك الشؤون لتقييم توافر عناصر الفرصة Opportunity من حيث الإمكانات والقدرات والرؤية والقدرة على التنفيذ بالمستويات المطلوبة والمرغوبة. 

ثانيا “وهو مستوى التخطيط والرؤية الاستراتيجية (الرؤية والأهداف والاتجاهات):Strategy Platform

وهذا المستوى يبين الاتجاهات العامة والأهداف الكلية ورؤية لمجال النشاط على المستوى الكلي الاستراتيجي، ورؤية جميع اللاعبين ومستوى أدائهم وتحركاتهم الحالية والمستقبلية المتوقعة، من خلال معرفة المنتجين والمصنعين والموزعين الرئيسين للجملة أو التجزئة، ونوعية وطبيعة عملاء كل منهم لإمكانية التخطيط والتعاون والتكامل لتكوين سلاسل القيمة وسلاسل الإمداد للمشاركة معا في تلبية احتياجات ورغبات الأسواق المختلفة، وتكمن أهمية هذا المستوى في توافر القدرة على دراسة بيئة الفرصة “Opportunity Context” وهو ما يعرف بمعرفة بيئة المشروع الكلية وتشمل: البيئة المحيطة من حيث النظم والقواعد والظروف الخارجية، والأنشطة المختلفة والعوامل المؤثرة والخلفية لمجال النشاط، ووضع العملاء والموردون والمنافسون والمشاركون والمستثمرون، والدعم والمساعدة والخدمات المتاحة.

ثالثا: مستوى معرفة المخاطر والعوائد والتأثيرات المطلوبة:

Risks, Outcomes & ImpactPlatform

وهو من أهم المستويات للاستثمار حيث إن عملية الاستثمار تتطلب المخاطرة وتحقيق مستوى عال من العوائد فهي علاقة طردية بين العائد المتوقع ودرجة المخاطرة، كما أن إدارة المخاطر تتطلب ثلاثة إجراءات محددة وهي: تعريف وتحديد المخاطر، وقياسها وتصنيفها وتحديد الإجراءات وآلية التعامل معها عند الحدوث لتقليل الخسائر، إضافة إلى معرفة مستويات العوائد والتأثيرات المختلفة المتوقعة؛ مثل الاستثمار في التعليم؛ فما هي العوائد من الاستثمار في التعليم والتأثيرات المختلفة؟ وغيرها.

رابعا: “مستوى معرفة مستويات الجدارة في الأداء: Competency Performance Platform

وهذا المستوى يتطلب معرفة مستويات الأداء في المجال، وكذلك معايير أو مقاييس الجدارة وعناصرها لإمكانية الحكم على الأشياء وتقييمها، فالجدارة مرتبطة بالسمات والصفات الشخصية وبالدوافع على المستوى العميق، ثم بالمبادئ والقيم والتوجهات والمفاهيم الذاتية على المستوى الأوسط وعلى المهارات والمعلومات على المستوى السطحي.

وختاما؛ فإننا نؤكد أهمية مستويات المعرفة الأربعة للمبادرين ورواد الأعمال ونوجه النظر إلى إمكانية بناء تلك المستويات لتحقيق “الميزة التنافسية” للمشروع، وكذلك للمساعدة في “اتخاذ القرار” في مبادرات المشاريع من خلال عناصر اتخاذ القرار المعتادة أو خطواته الأساسية المعروفة من حيث جمع وتحليل البيانات “”Data وتحويلها إلى معلوماتInformation “” وتحويل المعلومات إلى معرفة Knowledge، ومنها إلى إجراءات للتنفيذ، وتحديد أدق وأشمل للغاية والأهداف ووسائل التنفيذ، تضاف إلى أصول المشروع الفكرية سواء لعمليات الإنتاج أو في عمليات إدارة المشروع، لينعكس على تحسين المنتج أو الخدمة المقدمة بهدف التميز وتحقيق الهدف العام المنشود.

عن د. عزت ضياء الدين

استشاري تنمية المشروعات بالصندوق الاجتماعي للتنمية المصري منذ عام 2009 حتى عام 2016، وشغل منصب الأمين العام المساعد للاتحاد العربي للمنشآت الصغيرة منذ انشائه عام 2004 الى عام2014 تحت مظلة مجلس الوحدة الاقتصادية بجامعة الدول العربية، عمل مدرسا بكلية الهندسة ماك ماستر بكندا خلال الفترة 1980-1982’ .

شاهد أيضاً

محمد السيف رئيس مجموعة ” محمد السيف” للاستثمار: مصادفة عجيبة دفعتني إلى دخول مجال المطاعم

لم يتجاوز الـ30  عامًا، لكنه حقق خلال سنوات قليلة نجاحات مميزة في عالم ريادة الأعمال، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *