أسباب ضعف ريادة الأعمال

مضى حتى الآن سنوات ليست قليلة منذ أن عرفت المجتمعات المحلية والعالمية مصطلح ريادة الأعمال لغويا وأكاديميا وفنيا وحتى تطبيقيا، واستفادت منه نسبة كبيرة من فئة رجال الأعمال التي كانت مؤهلة ومستعدة لكي تمتطي جواد تلك الريادة، وعلى النقيض من ذلك كانت هناك فئة أخرى يبدو أنها كانت وما زالت مقيدة ببعض القيود، حتى أصبحت خلال كل تلك السنوات في طور مناقشة تعريف الريادة وعناصرها ومحدداتها فقط! (محلك سر كما يقولون) دون أن تجرب أن تمتطي ذلك الجواد أو حتى التعرف عليه.

هذا ما يقوله واقع الحال في معظم الدول النامية، فالنتائج المتحققة شحيحة وليست كثيفة ومنتشرة ولا تتناسب أبداً مع الهالة الإعلامية، والاهتمام الكبير والمؤتمرات التي تعقد بين فينة وأخرى والمستثمرين الهوامير (هكذا يسمونهم) وحاضنات الأعمال المتناثرة في شوارعنا الفسيحة والمكتظة، التي لا تكاد تخلو أي مدينة كبرى في المدن العربية من مكتب إرشادي لهذه الحاضنات.. والنتيجة ما زالت لا تتناسب أبداً مع هذا الاهتمام، وما زالت متواضعة.

ويمكن تحديد خمسة أسباب أراها من وجهة نظري هي السبب في إضعاف دور الريادة وتقييدها بكل قوة من أن تنطلق وتأخذ الدور المنوط بها في عالمنا النامي ونقله من حالة الريادي إلى أحوال أفضل وأحسن، بل هي أربح إن صح التعبير.

أولا: سرقة الأفكار أو تقليدها

إن من أهم أسباب ضعـف نمو ريادة الأعمال محليا وعالميا سرقة الأفكار أو تقليد المشاريع الناجحة وغير الناجحة على حد سواء. وقد نندهش إذا ما علمنا أن نسبة كبيرة من أصحاب الثروات الكبيرة يبحثون عن فرص للاستثمارات التي تناسبهم فلا يجدون، بينما هناك الآلاف من المبتكرين والمبدعين لديهم أفكار وخطط تحتاج فقط إلى رؤوس الأموال التي قد تضعها في خدمة البشرية بشكل مناسب وبتكلفة أقل، لكنهم لا يجدونها.

مع ملاحظة أنه في المجتمعات الغربية نجد لدى الجميع أفكارا عبقرية مثل أفكار بيل جيتس التي حققت له ثروة أزلية وأفكارا على غرار أفكار ستيف جوبز ستغير من شكل العالم، وأفكارا على غرار أفكار جيف بيزوس لبناء متجر في الهواء يبيع كل شيء لكل العالم؛ لذا فهم يخافون عليها –هناك- حتى من نسمات الهواء.

أما في بعض مجتمعاتنا فإن معظمهم يتمتعون بشخصيات خارقة للعادة بارعون في الابتكار والتسويق والمحاسبة والبرمجة والعلاقات العامة ولا ينقصهم سوى إيجاد الفكرة أو تقليدها إذا لزم الأمر؛ لذا فقد يكون الضعف متمثلا في السهولة أو السهالة التي تجعل رجل أعمال يبحث عنها لينتقل بها إلى مصاف الرواد، حتى لو “ببلاش”.

هؤلاء تهيمن على أفكارهم فكرة الأنا (فقط ولا غيرها)، متناسين فكرة أن تأسيس شركة أو منظمة ناشئة يتطلب وقتاً؛ لتجد من يؤمن بها ويعمل معك قبل أن يشتري منك.. فالشركة الناشئة بحاجة إلى عدة عقول متباينة التفكير؛ لتفكر بشكل جماعي للخروج بقرار أو سلوك يساعدان على تطوير الشركة أو هيكل أعمالها لتكون من الرواد.

هذا الانغلاق أو التخوف على الأفكار التي تحقق الريادة لن يقدم في الأمر شيئا، بل سيبقيها حبيسة الأدراج، وسيضعف الثقة في الجميع بدءا بأقرب الأصدقاء وانتهاء بالمستثمرين وحاضنات الأعمال التي من شأنهم ترجمة هذه الأفكار إلى واقع.

إن تواجد الشركاء يضمن لريادة الأعمال تحقق ثلاث استراتيجيات مهمة لأي رجل من رجال الأعمال، وهي:

1- وجود قدر من المنافسة:

يواجه الجميع عقبات وشخصيات مثبطة وأمورا عدة تدعوه يوميا للاستسلام وترك طريق الريادة المحفوف بالمخاطر والبحث عن العيش في حياة هادئة وجميلة؛ لينعم بالأمان في كل خطواتها؛ لذا تواجد الشريك الذي يساعده أو يعاونه على تحمل الضغوط أو لديه بعض الحلول لتسهيل أي مهمة لهي فكرة سديدة. فالمؤازرة لا يضمنها لك بحق سوى الشريك المناسب.

2- الدخول إلى مجالات جديدة: توافر حب المخاطرة :

إن فريق العمل يضمن لك تجربة فريدة من خلال طرق أبواب جديدة في كل مجال من مجالات عملك، فالشريك المسؤول عن التسويق مثلا قد يفكر بتجربة استراتيجية جديدة في التسويق تضمن لك قدراً من النجاح فيما لو نفذت كما هو مخطط لها هذه الجُرأة لن تقوم بها لو كنت وحدك.

3- الإحساس بالانتماء:

إن الشريك ليس كالموظف فيما لو تحدثنا عن الانتماء، فالشريك لا يتقاضى أجراً إضافيا لإنجاز مهمة خارج ساعات الدوام الرسمي كالموظف، وكذلك الشريك لا يفكر بقدر من الراحة في سبيل إنجاح رؤية المؤسسة فهو يشعر بالانتماء، بل يمارسه.

ثانيا: ضعف التشارك المعرفي

ويقصد بذلك انخفاض نسبة تملك أي شريك للشركة كلما دخل شركاء جدد.

فالسبب الرئيسي في كون ريادة الأعمال في أمريكا بالذات عن غيرها من الدول تنمو بشكل أسرع وأكبر هي: ثقافة المشاركة المعرفية.

وعلى الرغم من أنه يسيطر على المشاركة المعرفية في عالمنا العربي العديد من اللقاءات والمؤتمرات التي توفر لرواد الأعمال الفرصة للتعرف على شركاء جدد في الجانب الذي ينقص مشاريعهم ليكتمل بذلك هيكل إنتاج الشركة الذي يضعها في مصاف الرواد، إلا أن النتائج العملية تعتبر محبطة. وهنالك فكرة الانضمام لشركة أخرى إن كان هنالك فرصة للتكامل وتكوين منظمة بقيمة تنافسية عظيمة.. لكنه مع الأسف تكون ردود الأفعال الإيجابية متنافرة وليست متجانسة، خاصة على مستوى الاندماج أو الاتحاد.

فهناك قصص ذات دروس عميقة تؤكد على قيمة التشارك المعرفي وتأثيراته الإيجابية المتوقعة في الخطوات التالية: ارتفاع العائد من أداء المهام المشتركة، زيادة الوعي المشترك بطرق وأساليب الأداء، التمكن الأفضل في التنفيذ، ارتفاع درجات الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين . لكن الاستفادة من ذلك تعتبر متواضعة.

ثالثا: إضاعة (أو إذابة) فحوى الريادة ومضامينها

من أشهر ما نسمع من أقوال تسيء إلى الريادة مثل: كيف تكون رائد أعمال في عشرة أيام، كيف تنشئ مشروعك في ثمانية أسابيع، وكيف .. كيف .. كيف؟.

كلها عناوين تسويقية لا أكثر ولا تخاطب شخصية الريادي الحقيقية التي يحتاج إليها.

بل إن معظمها يصور الريادة على أنها قوانين نتيجتها واحدة (الربح) وعليك تطبيقها لتصبح ريادي أعمال فجأة ودون سابق إنذار، لتستعد حينها للذهاب لتحديث معلوماتك في مواقع التواصل لتكتب وظيفتك (رجل أعمال) وأنت في الحقيقة لم تصبح رائد أعمال بعد. كل هذا التذويب والإضاعة لهذا المعنى لم نجنِ منه سوى هذه النتائج غير المشجعة فعلا، وهنا لا ننكر أهمية الأفكار التي تطرح، ولكن حتى الآن لم نجد تلك الأفكار والأساليب التطويرية التي تنقلنا بحق إلى الريادة سوى قليل منها.

فالريادة ما هي إلا أسلوب حياة، وهي تعني أن تفكر وأن تبتكر حلولا أكثر مما تقلد، فالريادة أن تدرك والإدراك في حد ذاته نعمة. وتهتم الريادة ببناء الفرد وشخصيته فينبغي أن تتسم شخصيته بالجرأة وخوض المخاطرة برأس المال من أجل إنجاح الفكرة التي لطالما حلم بها وبدأ في تنفيذها.

وتشكل الرؤية الواضحة لريادة الأعمال جزءا كبيراً من نجاحه التي تساعده على اتخاذ القرار المناسب ووضع الخطة المناسبة، كما أن التطور والتعلم المستمر يبنيان ركائز قوية لشخصية قيادية قادمة إلى دنيا الأعمال، وهذا ما ينبغي أن تكون عليه شخصية الريادي بعيدا عن انغلاقه أو تقليده أو حتى حذره أو تحفظاته.

رابعا: الإجراءات الحكومية

من الأسباب التي من وراء ضعـف ريادة الأعمال أو نموها في الدول النامية تذمر فئة من رواد الأعمال من الأنظمة والقوانين التي إما أن تتسبب في إعاقتهم كثيراً أو أنها لا تحميهم بحق؛ ما يتسبب في انهيار حلم ريادتهم للأعمال، فلو أخذ الأمر من مبدأ أن الشركات الريادية هي اللبنة الأساسية لأي اقتصاد وهي السبب الرئيس وراء توقف تسرب الأموال الداخلية إلى الخارج لعملت على تسهيل بعض الإجراءات والأخذ بأيديهم والخروج بهم إلى بر الأمان، فيا سعده ويا هناه من تكون تلك الإجراءات في صالحه! أما للآخرين فقد يكون هناك عوائق أو معوقات، ومن العوائق المشهورة في هذا المجال مثل: عوائق التأسيس والترخيص وحماية الملكية الفكرية والوكالات التجارية والتستر التجاري وغيرها. إضافة إلى الرسوم الحكومية المرتفعة التي تُدفع مرة واحدة أو بصفة دورية. وكثيرا ما يلاحظ فشل الكثير من المشاريع بسبب سوء تعاملها مع الإجراءات الحكومية أو بسبب التحايل عليها (حبا في شوية شطارة)، من جهة أخري يا ويل كل من يحاول اللعب أو التلاعب مع هذه الإجراءات.. يا ويله ويا ظلام ليله.. فسوف يكون هذا الليل كله نكد×نكد.. وأبسط أنواع النكد في هذا المجال.. القول المأثور: ما عندنا اليوم.. فوت علينا بُكرة.. الموظف راح يجيب البذورة من المدارس.. بعدين يتضح أنه ما هو متجوز.. وهكذا.. أما أعقد أنواع النكد فهو نكد النكد.. زي روح جيب لنا شهادة أنك حي تُرزق.. وتروح وتلف وتتعب.. بعدين تلاقيها عند شيخ المسجد اللي بتصلي فيه.. اللي يعطيك هيَ ومعاها كلمتين نكد.. يذكرك بعدد مرات تأخرك أو غيابك.. أو.. أو..لأنها فرصة كويسة يوعظك فيها قبل ما تصير من الرواد.

أما السبب الخامس والأخير فهو منكم وإليكم فأنتم يا رواد الأعمال خير ما تعلمونه وهو.. أن القناعة كنز لا يفنى.. وقد شاهدت ذلك في دبي.. وقمت بدراسة مسحية بسيطة عن أسعار عدد كبير من السلع، وتوصلت إلى أن هذه الأسعار أقل من عندنا بنسبة لا تقل عن 35% ولم أندهش بعدما عرفت أن السبب يكمن في الرسوم الجمركية المرتفعة التي يدفعها المستورد السعودي، بالإضافة إلى الرسوم الأخرى على عماله وموظفيه الشطار- اللي آخر رداءة  التي يحملها للمواطن السعودي مثل رسوم الإقامة والخروج والعودة وغيرها مثل الإيجارات المرتفعة، إضافة إلى عدم قناعته كرائد من رواد الأعمال أو رضاه بنسبة ربح 5 أو 7 في المائة مثلما يقبل بها أخوه التاجر الذي يعمل في دبي. وأترككم بسؤال مهم: هل ريادة الأعمال عندنا غالية فعلا؟، أم أنه قد تم تضعيفها بواحدة أو أكثر من الأسباب المذكورة أعلاه؟.

عن فاروق الخطيب

شاهد أيضاً

“نيوم”.. بؤرة العالم الجديدة

نيوم..نحن اليوم، هذا ما أستطيع فهمه باختصارٍ من الإعلان عن هذه المدينة الجديدة، فولي العهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *